حوار مع الناشطة و الكاتبة البحرينية عفاف الجمــري
التمييز الذكوري المجتمعي لا يسمـح للمرأة بالوصول الـى مراكز صنع القرار
حاورها ـ شمخي جبر
تعد التجربة الديمقراطية في البحرين تجربة رائدة لاسيما في الخليج العربي، والمنطقة العربية عموما ،والبحرين من الدول الرائدة في مجال المجتمع المدني؛ إذ ظهرت نواته منذ بدايات القرن الماضي عندما أُنشئ نادي البحرين الرياضي (1918)، وفي
العام التالي (1919) تم إنشاء أول ناد ثقافي هو النادي الأدبي بمدينة المحرق، وتم تأسيس أول تجمع تطوعي نظامي سنة 1941. وتعد هذه الجمعيات بمثابة الانطلاقة الحقيقية لتنامي حجم وآليات عمل المجتمع المدني البحريني، فوصل عددها في الأعوام 2001، 2003، 2004 إلى (253)، (304)، (327) على الترتيب. و ترى الكاتبة ريم خليفة ان نسبة القوة العاملة من النساء في البحرين تشكل نسبة نحو 25 في المئة وذلك بحسب الإحصاءات الرسمية؛ أي أنها اليوم صارت جزءا مهما لا يتجزأ من عملية التنمية الاقتصادية التي بدورها تدفع المجتمع الى النمو والتطوّر.
هذا هو الواقع، أمّا مَنْ يقول عكسه فإنّ الأرقام والإحصاءات تفند ما يدعي، لاسيما وان المرأة في البحرين صارت في بعض الاحيان هي من تعيل العائلة لا الرجل.وللمرأة العاملة حقوق، لذلك لا بد من اشراكها في صنع القرار بشأن القوانين المتعلقة بها وعلى رأسها اجازة الوضع وساعات الرضاعة المعنية بقوانين العمل، كون ان تولي المرأة واجب الأمومة هو عمل اخر وجزء من الطبيعة التي يجب أن لا تعاقب عليها كونها أصبحت اما مسؤولة عن طفل او طفلة. لكن في البحرين التي تعد فيها المرأة سباقة عن اخواتها من جيران المنطقة تاريخيا في التعليم وممارسة العمل الوظيفي، وصولاً إلى تشجيع الدولة للمرأة على خوض غمار العمل السياسي والانتخابي، بقيت قوانينها كما هي دون تغيير برغم التطور الحاصل.لكن بالرغم من كل هذافان المرأة حققت عدة انجازات تمثلت بدخول تسع سيدات إلى المجلس الوطني إذ كان حدثاً مهماً وفريداً في تاريخ الإمارات بصفة عامة والمرأة الإماراتية بصفة خاصة.وبهذا فان المرأة البحرينية تفوز بلقب أول برلمانية خليجية ،وفي سابقة تعد الأولى من نوعها في المنطقة، وتؤكد ريادة البحرين في دعم حقوق المرأة إصدار الملك حمد بن عيسى آل خليفة امرا بتعيين منى جاسم محمد الكواري قاضيا بالمحكمة الكبرى المدنية لتصبح أول قاضية بحرينية تعمل فى سلك القضاء بالمملكة.وبدخول الكواري السلطة القضائية تكون المرأة البحرينية اكملت عضويتها في السلطات الثلاث بعد تعيين وزيرتين ودخول سيدات الى المجلس الوطني. وهناك ظروف اجتماعية وثقافية وسياسية تجعل من التجربة البحرينية تلتقي مع التجربة العراقية خاصة في مجال التنوع المجتمعي وان كان اقل في المجتمع البحريني .ومن هنا كان لقاؤنا مع الناشطة والكاتبة البحرينية عفاف عبد الامير الجمري،والذي تناول اوضاع المرأة البحرينية والعربية عموما .
أنت ابنة أهم المعارضين ،وقد تعرضت للاعتقال، مع من تعرض من أسرتكم له، وفي مقدمتهم الشيخ المغفور له عبد الامير الجمري،فكانت الأعباء التي وقعت على عاتقك كبيرة ومضاعفة، أولا كونك ناشطة ومعارضة،وثانيا كونك أنثى، وثالثا كونك من مكون عانى التهميش والحرمان من المشاركة، كيف تنظرين إلى أوضاع المرأة في البحرين والخليج والعالم العربي والإسلامي، وماتتعرض له من حرمانات متعددة، قد يكون مصدرها سياسيا أو ثقافيا او دينيا؟
- بالنسبة للمرأة فإنها ما فتأت على مر التاريخ أن كانت منكوبة ، مستغلة ، مستعملة ، مظلومة و مهمشة في كل المجالات : الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية بسبب قوتها الجسدية الضعيفة لا العقلية ، و قد كان هكذا حالها على مر الأزمان إلا ما ندر عندما تأتي دعوات إصلاحية لرفع الظلم عن ضعفاء المجتمع و من أهمهم المرأة و الأطفال و لذلك نرى التركيز الشديد في النصوص النبوية على هذين العنصرين الضعيفين جسديا،وبسبب طبيعة البشر المزدوجة بين الخير و الشر (فألهمها فجورها و تقواها) فعندمايسود جانب الشر ، و هو الغالب (وقليل من عبادي الشكور) فإن القوي يظلم الضعيف حيث لا تردعه إلا القوة الظاهرية و لذلك نجد الرسول (ص) يكرر (رفقا بالضعيفين المرأة و الطفل الصغير) و (رفقا بالقوارير) و نجد بأن الله سبحانه قد سد ما يمكن أن يجلب لهن الأذى في وقت لايهاب فيه إلا القوي فكفل لها نفقتها و أوجبها على أبيها ثم زوجها و أمرها بستر مفاتنها كيلا يطمع فيها مريض على أن هذه الاحترازات جلبت سوء فهم عند المسلمين بعد الرسول (ص) وفي عصور التأخر بشكل خاص فخلطوا المفاهيم و تصوروا بأن المرأة ضعيفة عقلا وليس جسدا فقط وأنها مواطنة من الدرجة الثانية أو الدنيا و أنها ليس فقط عليها أن تستر مفاتنها بل يجب ألا تخرج من بيتها إطلاقا أو للضرورة فقط و تم إدخال المفاهيم المحرفة الموجودة في الديانات السابقة في التفسير القرآني فأحدثوا انقلابا على القرآن دون أن يشعروا و جعلوا من تفسيره المشوه أداة لظلم المرأة بعد أن كان مجيء الإسلام فتحا عليها نقلها نقلة و إذا بهم يعيدونها لسابق وضعها في الجاهليه و أسوء لأنه هذه المرة باسم الشرع و من يعيد النظر و يأتي بتفسير يتلاءم مع روح القرآن و غاياته و مع الفطرة السليمة التي لا يتناقض معها القرآن إطلاقا (فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون..)الروم:30
و من سيرة الرسول (ص) فإنه يضرب بعصا المروق من الدين ، و صحيح أن دعوات الاستعمار قديما و الغرب حديثا ما فتئت تدعو لتحرير المرأة و إعطائها حقوقها ، و أنهم حرروا المرأة في بلدانهم من العبودية بشكل و لكنهم أوقعوها في عبودية من نوع آخر متمثلة في استغلالها الجسدي ، و لكن من قال بأن من يدعون لرفع نير الظلم في العالم العربي و الإسلامي عن المرأة هم يدعون للنموذج الغربي ؟ قد تكون هناك أمور مشتركة كالمناداة بحقها السياسي و وقف العنف ضدها و لكن هذا لا يعني الدعوة للنوذج الغربي و لا يعني العمالة للغرب و تطبيق نظرية المؤامرة , نقولها بملئ الفم بأن : وا قع المرأة في كل مكان مزر و ما يهمنا هو عالمنا الإسلامي نبدأ به من خلال إعادة معالجة النصوص الإسلامية و الرجوع بها إلى نبعها الصافي الأول لنعيد الفتح الذي جاء به الرسول (ص) ، و هكذا نرى بأن مصدر معاناة المرأة قد يكون سياسيا حالها كحال الرجل أو ثقافيا يسيطر حتى على التفسير القرآني .
ـ جاء في تقرير مشترك لمؤسسة "كارنيغي" الأميركية غير الحكومية ومؤسسة "فرايد" الإسبانية عن مؤشرات الإصلاح السياسي في دول العالم، غطى التطورات حتى آخر ,2007 أن "التمييز في مملكة البحرين معمول به ضد الأجانب وضد المواطنين وضد المرأة بشكل واسع.
* لماذا حدثت هذه الانتكاسة في الإصلاح؟ ومن المسؤول؟ هل هي ضغوط خارجية على الحكومة؟ أم خلافات داخل البيت الواحد الحكومي؟ وإلى متى سيستمر هذا الانحدار؟ ألا من وقفة جريئة من مسؤول حكومي شجاع حكيم يشعر بقيمة هذه السفينة التي إن غرقت أغرقت الجميع معها فيعيد المسيرة إلى جادة الطريق؟هذ جزء من مقالة لك ،نبدأ من خلالها بالتساؤل عن مجالات الاصلاح ونوافذه ودور المرأة ومعاناتها في ظل كل هذا؟
- أما مجالات الإصلاح في البحرين فهي معالجة الملفات العالقة بدءا بالأهم منها و التي تعيق استقرار البلد ألا وهو ملف التمييز الطائفي خصوصا ملف تقرير الفضيحة ( تقرير البندر) و هو باختصار عبارة عن مخطط كبير يهدف لتهميش و تقليل طائفة كبيرة في البلد قد تم تسريبه عن طريق المستشار السابق الدكتور صلاح البندر بعد خلافات بينه و بين المسؤولين و قد رفضت الحكومة التحدث في الموضوع صحافيا و رفضت معالجته برلمانيا مما يعد خرقا لقواعد الديمقراطية ، كذلك معالجة ملفات الفساد المالي و الإداري و المشكلة الإسكانية و البطالة و الفقر خصوصا و نحن نتكلم عن بلد نفطي وقد قدرت بعض الدراسات نسبة الفقر في البحرين بـ40% من السكان والمقصود هنا هو الفقر النسبي لا المطلق بمعنى عدم امتلاك الفرد للضروريات التي يمتلكها من حوله ، و ليس عدم امتلاكه الطعام .
أما نوافذ الإصلاح فهي عن طريق العملية الديمقراطية السليمة لا المشوهة فما هو موجود حاليا صورة مشوهة للديمقراطية بسبب عدم عدالة توزيع الدوائر الاتنخابية في البلد بحيث أن أكبر كتلة في المجلس و التي نالت أكبر عدد من الأصوات (63%) إلا أن نصيبها من المقاعد أقل من النصف ، و وجود قوانين خانقة للحريات كقانون الصحافة و قانون الإرهاب و قانون الجمعيات و غيرها ، و الطريق الأسلم في نظري للإصلاح حاليا هو ليس أسلوب التظاهرات كما في السابق فقد خدم الهدف سابقا أما الآن فإن هذا الأسلوب يعطي الحكومة الغطاء الشرعي أمام الرأي العام العالمي لأن تنكل بالشعب بحجة أنهم (مخربون و نحن لدينا عملية ديمقراطية ) ، فالأسلم هو مجاراتها و الدخول في اللعبة السياسية لكشف مثالبها سلميا أمام الرأي العام العالمي و هو عامل الضغط الفعلي عليها و هو الذي وقف معنا لقناعته بمطالبنا الديمقراطية في التسعينيات فضغط عليها فأحدثت إصلاحا جزئيا من جهة و صوريا مشوها من جهة أخرى فالرهان عليه و من ناحية ثانية استغلال الهامش القليل المتاح لتحسين وضع الشعب معيشيا.
أما دور المرأة فهو دور الرجل تماما بلا تمييز ونفس المسؤوليات الملقاة على عاتق الرجل هي عليها (المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض) و قد شاركت المرأة في انتفاضة التسعينيات بفاعلية و لازالت تشارك قامت بدور المرأة و الرجل ابان الانتفاضة و دخلت السجون و استشهدت بيد أنها تعاني حاليا من التمييز الذكوري المجتمعي ضدها فلا يسمح لها بالوصول لمراكز صنع القرار شعبيا و ليس لديها قانون للأحوال الشخصية أما المظالم الاجتماعية الواقعة عليها فحدث و لا حرج هذا كله غير المظالم التي تشترك فيها مع الرجل : السياسية و الاقتصادية و الطائفية.
* كتبت في احدى مقالاتك (في أحدث إحصاء لـ مركز "بتلكو" لرعاية حالات العنف الأسري لعدد ضحايا العنف الأسري التي أبلغت إلى المركز من يناير/ كانون الثاني 2006 إلى ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، قدرت عدد الحالات بنحو 81 حالة عنف تعرض إليها رجال و372 حالة تعرضت فيها المرأة إلى العنف، إضافة إلى 133 حالة تعرض فيها أطفال إلى العنف. وقد بلغت النسبة الرسمية للنساء المعنفات في البحرين في العام 2004 وحده 1344 حالة، ناهيك عما خفي. ونظراً إلى تفاقم هذه الظاهرة والحال المتردية التي وصلت إليها المرأة في عالم اليوم، فقد تبنت منظمة العفو الدولية في مارس/ آذار 2004 إطلاق حملة عالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، وعممت فيها تقريرها المفصل تحت شعار "مصائرنا بأيدينا.. فلنضع حداً للعنف ضد المرأة"، الذي سلطت فيه الضوء على مسؤولية الدولة والمجتمع والأفراد لوضع حد للعنف ضد المرأة.)فماهي مصادر العنف ومرجعياته ضد المرأة في البحرين وفي عالمنا الاسلامي؟
- مصادر العنف كثيرة ، منها: وسائل الإعلام : فالأفلام و المسلسلات المليئة بالعنف و التي تصوره و كانه أمر عادي ، إضافة لعدم وجود عقوبات رادعة للمعنف الذي قد يكون الزوج أو الأخ أو الأب بل حتى الابن أحيانا.
أضف إلى ذلك موجة التجنيس الكبيرة التي حدثت لأغراض سياسية في البحرين حيث تضاعف عدد الشعب في غضون ست سنوات ليصبح التعداد مليونا في العام 2007 بعد أن كان نصف مليون في العام 2001 و قد لوحظ انتشار ظاهرة العنف بشدة بعد موجة التجنيس التي تصل إلى القتل ، هذا كله طبعا إضافة لوجود أهم عامل و الذي يمثل المرجعية للشعوب الإسلامية في كل مفاهيمها وهو التفسير المشوه للقرآن الذي يشرعن الضرب و الذي أدى حسب إحصائيات متعددة أجريت في بلدان متنوعة في العالم الإسلامي لأن تعرب نسبة كبيرة ممن شملهم الاستجواب و منهم نساء لأن يصرحوا بأن الضرب حق للرجل على المرأة ففي قطر كانت النسبة 41% و في الأردن 60% و ما خفي أعظم .
* لديك الكثير من الاراء في مجال تجديد الفكر الديني بوصفك من عائلة دينية معروفة،، فقد طرحت اراء جريئة بشأن تعدد الزوجات ، وضرب المرأة ،(مع انك من عائلة محافظة )، وقد استشهدت بالحديث (من مّد يده إلى زوجته ليلطمها فكأنما مدها إلى النار)..الخ ، كيف تنظرين الى الموقف الفقهي وجموده باتجاه المرأة وماتتعرض له؟
- بنظري ان انشغال المسلمين على مدى قرون بعد وفاة الرسول (ص) بالصراعات مع بعضهم البعض أولا و مع المحتلين لاحقا ، و بانشغالهم في العصور المظلمة بالصراع من أجل البقاء ، كل ذلك شغلهم عن التطور و مجاراة العصر و إعادة النظر في الموروث و تنقيحه مما علق به و كما ذكرت فإن هناك مفاهيم أصبحت لتواترها من المسلمات لا يعاد النظر فيها و هي في واقع الحال عند البحث نجدها تمثل انقلابا على المفاهيم القرآنية و من أهم هذه المواضيع موضوع المرأة و كل ما يتعلق بها فقد ظلمت أيما ظلم و أقصيت و كل ذلك باسم الشرع إلى أن جاء العصر الحديث و ظهر فقهاء و فقيهات أعادوا النظر في كل مايتعلق بالمرأة و خرجوا بنتائج باهرة من هؤلاء السيد محمد حسين فضل الله و المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين و المرحوم الشيخ الغزالي و فاطمة رحمائي و آية الله يوسف صانعي ، و اعتقد أن وجود فقيهات مهم جدا من باب ( ما حك جلدك مثل ظفرك ) ، و على كل حال أصبح لدينا بالنتيجة فقه تقليدي و آخر تجديدي و إن من المهم وضع ضوابط لعملية البحث بشكل عام و إعادة النظر في منهجية البحث لسلامته كيلا نكرر الأخطاء فننقلب عل روح القرآن مرة أخرى .
* عشت في العراق مدة من الزمن، فضلا عن متابعتك للشأن النسائي كونك ناشطة في هذا الحقل، كيف تنظرين الى الظروف التي تعيشها المرأة في العراق في ظل التحولات الاخيرة، وفي ظل العنف الطائفي الذي كانت المرأة اهم ضحاياه ، كونها انسانا وكونها اما او زوجة او اختا؟
- نعم و أحن كثيرا للعراق كوني عشت طفولتي فيه ، و كونه مهد الحضارات و العلم ، و مرقد الأئمة (ع) ،أسأل الله له الفرج و صلاح الأحوال إنه سميع مجيب . و بالنسبة للمرأة العراقية كان الله في عونها على كل ما عانته سابقا و ما تعانيه حاليا فثلاث حروب مر بها العراق و الحصار الاقتصادي إضافة للسجون و القتل و الإبادة الجماعية سابقا ، و الاحتلال و الحرب الطائفية حاليا كل ذلك يلقي عليها مسؤوليات ثقيلة فهي بالدرجة الأولى: في حال صراع من أجل البقاء حالها حال أخيها الرجل فتعيل أسرتها و تقوم بدور الأم و الأب في ظل فقدان الأب و تحاول حماية نفسها و أسرتها ما استطاعت في ظل انعدام الأمن .
و بالدرجة الثانية : عليها واجب أي مواطن محب لوطنه أن تشارك في العملية السياسية محاولة رأب الصدع وصولا لحالة السلم الأهلي و الخلاص من المحتل.
و بالدرجة الثالثة: عليها ( خصوصا بالنسبة للنخب المثقفة) عليها أن تجاهد لتنال حقوقها و تثبتها قانونيا و منذ البداية و هذا طبعا يتطلب جهدا جهيدا يتطلب من النساء : أولا : أن يعين حقوقهن و ينشرن الوعي الحقوقي بين بنات جنسهن و المجتمع ككل .
ثانيا : ينظمن أنفسهن و جهودهن و يسعين للتمثيل السياسي في البرلمان و الحوار مع القوى الفاعلة في الساحة .
ثالثا: يوطدن علاقاتهن مع الجهات الحقوقية الخارجية للحصول على الدعم المادي و المعنوي .
بيد أن مما يؤسف له ما خرجت علينا به الصحافة من إلغاء قانون الأحوال الشخصية دون أن يقدم له بديل و لو تم إعداد البديل أولا قبل الإلغاء لكان أحفظ للحقوق.
Monday, May 19, 2008
تعدد الزوجات
Download the original attachment
هل مازال التعدد يؤرق الكثيرات؟(1-1)
من الطرائف ذات الدلالات العميقة التي نقرأها يومياً في الصحف قصة تلك المرأة السعودية التي انتقمت من زوجها الخائن بذكاء مشروع ! فقد فاجأها بعد أن قضت معه نصف سني عمرها كزوجة مشاركة له في السراء و الضراء و المال و البنين مادياً و معنوياً و في بناء بيت العمر، فلة على أحسن طراز ، فاجأها بعروس جديدة و ضعها في الطابق العلوي من الفلة!! تمالكت أعصابها و لم تبدِ أي رد فعل و أوهمته بالهدوء و البرود حتى تحقق مأربها فطلبت منه أن يعطيها حقها في البيت ، فيكتب نصفه باسمها ففعل ، و ما أن أتم ذلك حتى رفعت عليه قضية طالبة الطلاق ، تدخل الوسطاء لثنيها و لكن جهودهم لم تجدِ، و تم الطلاق ، و ما أن أتمت العدة حتى تزوجت رجلاً آخر أسكنته معها في الطابق السفلي لتذيق لزوجها السابق ما أذاقها و بطريق مشروع مباح لا غبار عليه كما فعل هو تماماً و لكن مالبث الحال كذلك لأكثر من شهر حتى وصل زوجها السابق لمستشفى الأمراض العقلية
هذه القصة لها دلالات عميقة و أشهد بأنها أثلجت قلوب معظم المتزوجات، و لو عرفن اسمها لما استبعد حملهن صورها و تحويلها لرمز أيضاً !!
إن موضوع تعدد الزوجات أثار كثيراً من الجدل و اللغط في العصر الحديث سواءً من ناحية التشريع أو التطبيق بل يكاد يكون أول سؤال تطرحه أي امرأة تريد الدخول في الإسلام أو أن تتعرف عليه ، ففي إحدى حلقات برنامج أصدقاء العرب الذي تبثه قناة الجزيرة تشرح الضيفة الغربية المسيحية المتزوجة من فلسطيني مسلم انطباعاتها الأولى عن المجتمع العربي المسلم و ما أعجبها فيه و تروي كيف أنها بعد أن استقر بها الحال في سوريا، جاءها الجيران و عرضوا عليها الإسلام فأبدت إعجابها بالشرق و لكن لديها سؤال واحد فقط يستوقفها عن الدخول في الإسلام و هو: ما هي مكانة المرأة فيه؟ و ما حقيقة الأحكام المتعلقة بها و خصوصاً تعدد الزوجات؟
الكثير من الباحثين الإسلاميين يميلون للطرح التبريري للفقه الإسلامي ، و الفقه بطبيعة الحال هو ليس بالضرورة مطابقاً للمراد الإلهي من النص، و إنما هو اجتهاد بشري قابل للتطوير و التعديل باختلاف المجتهدين و اختلاف الأزمان و إن كان الطرح التبريري مطلوب و لكن الطرح النقدي الفاحص أيضاً مطلوب بغرض الترشيد و الوصول للأمثل فالأمثل في ضوء الضوابط الشرعية طبعاً ، و لم تحظ قضية بالأخذ و الرد مثل قضية الفقه النسوي في الإسلام ، بين الإسلاميين و غير الإسلاميين ، و بين التقليديين و المجددين من الإسلاميين ، فهناك من فسر تعدد النساء بأنه حكم خاص بالأرامل منهن لأجل رعاية أيتامهن، و هناك من فسره بانه تدرج من الشارع نحو التحريم كما حدث في موضوع العبودية بتجفيف منابعها حتى انتهت و يستدل بأن التعدد قبل الإسلام كان بلا حد فجاء الإسلام و قيد التعدد بأربع ثم أوجب العدل في النفقة حيث ( فإن لم تستطيعوا أن تعدلوا فواحدة ) و أوضح أن العدالة القلبية مستحيلة ( و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء لو حرصتم ) و على أساسها أوصى بمراعاة ضعيفة الحظ من المحبة القلبية بقوله ( فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) ، و بمدحه سبحانه للعلاقات الزوجية الأحادية و اعتباره لها من آياته العظيمة ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً و جعل بينكم مودةً و رحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) و اعتباره لها بأنها هي الطبيعية و حتى الأمثلة من العلاقات الزوجية المذكورة في القرآن الكريم هي كلها أحادية مثل آدم و حواء، زكريا و زوجته، و غيرها.. هذا كله جعل أصحاب هذا الرأي يرون بأنه سبحانه إنما أراد التدرج من التعدد الواسع جداً إلى الأضيق ( أربع ) ثم شيئاً فشيئاً حتى القضاء على الظاهرة كما فعل في موضوع العبودية، حيث جعل عتق الرقاب من أعظم الأعمال و مكفرات الذنوب حتى انتهت العبودية ولم يحرمها بشكل مباشر، في حين يرى آخرون بأن هذا الرأي مثالي جداً غير واقعي حيث أن الأزواج ليسوا جميعهم متكافئون و سعداء و عشاق و أحبة و ذلك يقتضي التعدد الذي هو أفضل من طلاق الأولى ، إضافة إلى وجود العوانس إلى آخره من المبررات ، و بغض النظر عن درجة الصحة و الأحقية في كل من الرأيين فإن هناك أمور لابد من الالتفات لها و وضعها في الحسبان لدى كل دارس:أهمها معايشة الواقع عند التنظير،وحساب السلبيات والإيجابيات ، والأخذ بروح النص في الحسبان كيلا يتم التحايل عليه و ينقلب عند التطبيق إلى عكسه.
عفاف الجمري.
هل مازال التعدد يؤرق الكثيرات ؟(1-2)
دخل زوجها السجن في قضية سياسية لمدة طويلة عانت خلالها الأمرين من فراق الحبيب وثقل مسؤولية الأبناء وضيق الحال وضيم أهله والزمن، وبعد سنوات من الصبر جاء الفرج ، ولكن ماهي إلا أشهر قليلة حتى تزوج زميلته بحجة إنقاذها من العنوسة وبأن هذا حقه !!ليست هذه القصة من نسج الخيال بل هناك أفضع منها بكثير، وقد
تحدثنا في الحلقة السابقة عن تعدد الزوجات والآراء المختلفة بشأنه ، وذكرنا بأنه بغض النظر عن درجة الصحة أو الأحقية في هذه الآراء المطروحة ، فإن هناك أمور لابد من الالتفات لها ووضعها في الحسبان ،هي:
أولاً : صحيح أنه هناك نسبة كبيرة من العنوسة حيث أنه في البحرين وحدها حسب آخر إحصائية خمسون ألف عانس و في السعودية نصف مليون .. إلخ مما تم تناوله في بحث سابق ، و هناك زيجات كثيرة غير متكافئة أو سعيدة ، و لكن هناك أيضاً حالة طلاق كل يومين في البحرين ( بنسبة 45% حسب إحصائية 2001 ) والتي تعتبر السادسة عربياً في عدد حالات الطلاق حسب آخر إحصائية معلنة و الطلاق هذا له أسباب كثيرة منها بلا شك التطبيق غير المرشد لحكم التعدد و نسبة التعدد في البحرين في العام 81 كانت 32.2% أما المعلنة في العام 2001 فقد بلغت تقريباً 1.19% أما الغير معلنة من متعة و مسيار و علاقات محرمة فحدث ولا حرج فهي أكثر بكثير ، والنسبة المذكورة تبدو غير واقعية ولعل من أسباب ذلك لجوء الزوجة الأولى للطلاق أو اشتراط الزوجة الجديدة على الزوج بتطليق الأولى.
ثانياً: لدي تساؤل لماذا لا يتم تضمين الأخلاق في الجانب الفقهي، بمعنى عدم النظر للأحكام الفقهية بمعزل عن المبادئ الأخلاقية التي أمر بها الشرع ، فإذا كانت هناك أخلاقيات في التجارة و البيع حتى ورد حرمة البيع على البيع ( و لا يبع أحدكم على بيع بعض ) فالبيع أصلاً حلال ( كما في تعدد الزوجات ) و لكن إذا تقاطع هذا الحكم مع حكم آخر وهو مراعاة الأخوة الإسلامية عندئذ يحرم هذا البيع، و كيف تكون هناك أخلاقيات حتى في الحرب ( و لا تقطعوا شجرة و لا تهدموا كنيسة ،و.. ) و في الخطبة حيث أن ( الخطبة على الخطبة حرام ) على رأي جمهور الفقهاء و منهم الخميني و السيد محمد حسين فضل الله فلا يجوز لمؤمن أن يخطب فتاة متقدم غيره لخطبتها في نفس الوقت كيلا يؤثر عليه، مع أن الخطبة في الأصل مباحة و لكن تقاطعها في هذه الحال مع الجانب الخلقي حرمها فالحديث يقول ( تخلّقوا بأخلاق الله ) و ( إنما بُعثت لأتتم مكارم الأخلاق ). فإذا كان الحال كذلك فلماذا لا تكون هناك أخلاقيات في التزام الزوج بعهده لزوجته و الزواج هو اقدس رابطة و أكثر ما اهتم به الشارع ففصّل فيه آيات طوال طوال و لم يفعل بشأنه ما فعل بموضوع الصلاة مثلاً و الزكاة و الصيام، حيث اكتفى بالأمر بهم في القرآن و التوضيح جعله على السنة، أما العلاقات الزوجية ففصّل فيها القرآن تفصيلاً كثيراً لأن الأسرة هي نواة المجتمع و أساسه، فإذا صلحت صلح المجتمع بأكمله. نعود فنقول لماذا لا يؤخذ الجانب الأخلاقي في هذا الأمر ؟ فالتعدد مباح و لكن إذا تقاطع مع الوجوب الأخلاقي بالالتزام بالعهد هل يبقى كذلك ؟ أليس سبحانه يقول ( و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ) و أياً كان العهد هو بين الإنسان و ربه أم بين الإنسان و أخيه و أليس من صفات المنافق المذكورة في الحديث هي خيانة الوعد ( علامات المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب و إذا وعد أخلف و إذا أؤتمن خان ) أليس الإسلام دين الأخلاق و ( تخلّقوا باخلاق الله ) و الحديث يقول ( لا تحاسدوا و لا تباغضوا ولا يبع أحدكم على بيع بعض ) أليس التعدد هو من أكبر دواعي التحاسد و التباغض بين الإناث اللواتي هن أساس المجتمع و الحضون المربية ( الأم مدرسةٌ إذا أعددتها ) إن الشاب إذا تقدم لخطبة فتاة فإن الاتفاق الضمني بينهما في بداية الزواج هو أن يكون لها وحدها و لذلك تعطيه أفضل ما لديها معنوياً و مادياً و تضحي لأجله بكل شيء ، و لكنه عندما يغدر بها و يخون العهد معها فيتزوج غيرها تحاول سحب كل ما أعطته إياه وأنى لها ما ذهب من صحتها و شبابها و مالها، هذا غير أن القوانين لا تحميها ولاتنصفها والأعراف المجتمعية بعيدة كل البعد عن روح الإسلام.
عفاف الجمري.
هل مازال التعدد يؤرق الكثيرات؟(1-3)
تزوجته عن حب رغم عدم رضا أهلها به ، عافت أهلها لأجله ، وعاشت معه أحلى الأيام رغم الضيق المادي ، مضت سنو الشباب أثمرت خلالها أربع فلذات كبد ،بنت المنزل بمالها الذي ورثته من أبيها ولحبها له أسكنت أهله معها ،وفي أحد الأيام جلست تنتظره على الغذاء فلم يعد ، طال غيابه فسالت عنه كل من يعرفه فكانت الصاعقة أنه قد سافر مع عروس جديدة ، صدمت فطلبت الطلاق فكان الثمن هو أن يخرجها مع أولادها من بيتها إلى المجهول!!
لست ضد التعدد كخيار مطروح و لكن الكلام في ترشيد استعمالات هذا الخيار بمعنى عدم جعله يتعارض مع - لا أقول خيار – و لكن مع وجوب الالتزام بالأخلاق الإسلامية التي نص عليها الشارع في وجوب الالتزام بالعهد ، ليكن الرجل واضحاً مع من يريد تزوجها منذ البداية إن كان لها وحدها أم أنها ضمن مجموعة زوجات ( بما فيهن المتعة أو المسيار ) و كل واحدة تختار على حسب ظروفها فالتي ظروفها تجلب لها زواجاً أحادياً ترفض و التي ظروفها لا تجلب لها أفضل من ذلك تقبل و بذلك لا يكون هناك خيانة عهد ، أما أن يتزوج أفضل الموجود ثم يخدعها فذلك حتماً ليس من روح الإسلام، و رسول الله (ص) مارس الزواج الأحادي كما أنه مارس التعدد دون أن يقع في رذيلة الخيانة حيث كان واضحاً في كلتا الحالتين منذ البداية.. يسعدني أن أرى الزواج الأحادي السعيد ، كما يسعدني أن أرى الزواج المتعدد ( على طريقة الحاج متولي ) بشرط ألا يتضمن خيانة ، و قد رأيت واقعاً أحد رجال الدين خطب امرأة و قال لها في الخطبة أنه سيتزوج معها 3 نساء و هي حرة في الاختيار، فإن أمكن ممارسة التعدد دون الإخلال بوعد صريح أو ضمني قطعه الزوج لزوجته فشيء جيد و لكن أن يحول حكم من عامل بناء إلى عامل هدم لا مثيل له للأسر و نخلط الاوراق و نقول شرع الله سبحانه و تعالى فذلك خلط واضح بين ، فالشرع وضع خيارات هذا من ضمنها و وضع خطوط حمراء و التزامات منها الالتزام بالعهد الذي هو من أهم عناصر الأخلاق الإسلامية، إن عقد الزواج مثل بقية العقود من بيع و تجارة، بل أهمها و أقدسها ، مطلوب فيه كما فيها الوضوح منذ البداية، إن الطريقة الممارسة حالياً في التعدد حولته لأكبر عامل هدم للأسر، فالحكم الشرعي إذا لم يفهم مقصده و لم يرشد يُساء استغلاله مثل كل قانون لا توضع له ضوابط ، فالقانون لا يحمي نفسه حيث يتم التحايل عليه ، و لذلك فإنه من الضرورة الاهتمام بمقاصد الشريعة او كما يسميه بعض العلماء مثل السيد محمد تقي المدرسي و الدكتور محمد الزحيلي والشيخ حميد المبارك وغيرهم بالفقه المقاصدي ، و إلا تحولت الكثير من الأحكام إلى ضدها ، فالصلاة في حد ذاتها تربية للروح و لكن أن يعكف شخص على الصلاة و يترك كل أمور الدنيا يحولها لعامل هدم ، إننا نجد بأن كثيرا من الرجال تحولوا لحيوانات تسعى لإرضاء شهوتها فقط بدون أدنى توقف حتى وقعوا في الحرام و المرأة يبرر التزوج عليها بأتفه الأسباب في حين لا يبرر طلاق المرأة لزوجها إلا للمعضلات ، نعم نرى أسراً مهدمة بلا عدد بسبب هذا الأمر بل أن الرجل بعد أن يخون زوجته و تطلب الطلاق عتد الصدمة يطلب منها تعويضاً مادياً خيالياً مع أنه سبحانه و تعالى يقول ( و لا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) النساء: 19
و حتى في حال أراد الزوج طلاق زوجته لأجل زوجة جديدة و هو ما يحدث بكثرة ،أليس من الأخلاق في حال ميل قلبه لغيرها هو إما أن يبقيها و يسترضيها بما تشاء بعد الإذن منها طبعاً أو يطلقها مع تعويض يمنحها إياه عن كل ما أحدثه لها من ضرر؟ أليست هذه هي الأخلاق الإسلامية؟ و الله سبحانه و تعالى يقول ( و إن أردتم استبدال زوج مكان زوج و آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً و إثماً مبينا ) النساء: 20 ، و هذا كله خلاف الواقع، إن من الفقهاء الذين يستشعرون مآسي النساء وهوآية الله الشيخ يوسف صانعي قد أفتى بكراهة الزواج الثاني (وقبله الشيخ الطوسي ) و بعدم جوازه إلا بعد أخذ الإذن من الأولى،وقد ضمن هذا الحكم في قانون الأحوال في كل من إيران ومصر ، و بعض الفقهاء أفتى بأنه في حال الطلاق بعد عمر طويل قضاه الزوج مع زوجته كون خلاله مستقبله المادي فإن لها نصف ما يملك الزوج من منزل و مال ، وقد ضمن هذا الحكم أيضا في قانون الأحوال الإيراني ، وهكذا نرى بأن النظر للنصوص الشرعية بتمعن و بالأخذ في الاعتبار بمقاصد الشريعة يحميها من الانقلاب لعكس مرادها و يعطينا فهما فقهيا يكون قاعدة لحياة لا حيف فيها ولا ظلم فسبحانه جميل لايمكن أن يصدر منه غير الجميل .
عفاف الجمري
Afaf39474225@gmail.com
هل مازال التعدد يؤرق الكثيرات؟(1-1)
من الطرائف ذات الدلالات العميقة التي نقرأها يومياً في الصحف قصة تلك المرأة السعودية التي انتقمت من زوجها الخائن بذكاء مشروع ! فقد فاجأها بعد أن قضت معه نصف سني عمرها كزوجة مشاركة له في السراء و الضراء و المال و البنين مادياً و معنوياً و في بناء بيت العمر، فلة على أحسن طراز ، فاجأها بعروس جديدة و ضعها في الطابق العلوي من الفلة!! تمالكت أعصابها و لم تبدِ أي رد فعل و أوهمته بالهدوء و البرود حتى تحقق مأربها فطلبت منه أن يعطيها حقها في البيت ، فيكتب نصفه باسمها ففعل ، و ما أن أتم ذلك حتى رفعت عليه قضية طالبة الطلاق ، تدخل الوسطاء لثنيها و لكن جهودهم لم تجدِ، و تم الطلاق ، و ما أن أتمت العدة حتى تزوجت رجلاً آخر أسكنته معها في الطابق السفلي لتذيق لزوجها السابق ما أذاقها و بطريق مشروع مباح لا غبار عليه كما فعل هو تماماً و لكن مالبث الحال كذلك لأكثر من شهر حتى وصل زوجها السابق لمستشفى الأمراض العقلية
هذه القصة لها دلالات عميقة و أشهد بأنها أثلجت قلوب معظم المتزوجات، و لو عرفن اسمها لما استبعد حملهن صورها و تحويلها لرمز أيضاً !!
إن موضوع تعدد الزوجات أثار كثيراً من الجدل و اللغط في العصر الحديث سواءً من ناحية التشريع أو التطبيق بل يكاد يكون أول سؤال تطرحه أي امرأة تريد الدخول في الإسلام أو أن تتعرف عليه ، ففي إحدى حلقات برنامج أصدقاء العرب الذي تبثه قناة الجزيرة تشرح الضيفة الغربية المسيحية المتزوجة من فلسطيني مسلم انطباعاتها الأولى عن المجتمع العربي المسلم و ما أعجبها فيه و تروي كيف أنها بعد أن استقر بها الحال في سوريا، جاءها الجيران و عرضوا عليها الإسلام فأبدت إعجابها بالشرق و لكن لديها سؤال واحد فقط يستوقفها عن الدخول في الإسلام و هو: ما هي مكانة المرأة فيه؟ و ما حقيقة الأحكام المتعلقة بها و خصوصاً تعدد الزوجات؟
الكثير من الباحثين الإسلاميين يميلون للطرح التبريري للفقه الإسلامي ، و الفقه بطبيعة الحال هو ليس بالضرورة مطابقاً للمراد الإلهي من النص، و إنما هو اجتهاد بشري قابل للتطوير و التعديل باختلاف المجتهدين و اختلاف الأزمان و إن كان الطرح التبريري مطلوب و لكن الطرح النقدي الفاحص أيضاً مطلوب بغرض الترشيد و الوصول للأمثل فالأمثل في ضوء الضوابط الشرعية طبعاً ، و لم تحظ قضية بالأخذ و الرد مثل قضية الفقه النسوي في الإسلام ، بين الإسلاميين و غير الإسلاميين ، و بين التقليديين و المجددين من الإسلاميين ، فهناك من فسر تعدد النساء بأنه حكم خاص بالأرامل منهن لأجل رعاية أيتامهن، و هناك من فسره بانه تدرج من الشارع نحو التحريم كما حدث في موضوع العبودية بتجفيف منابعها حتى انتهت و يستدل بأن التعدد قبل الإسلام كان بلا حد فجاء الإسلام و قيد التعدد بأربع ثم أوجب العدل في النفقة حيث ( فإن لم تستطيعوا أن تعدلوا فواحدة ) و أوضح أن العدالة القلبية مستحيلة ( و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء لو حرصتم ) و على أساسها أوصى بمراعاة ضعيفة الحظ من المحبة القلبية بقوله ( فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) ، و بمدحه سبحانه للعلاقات الزوجية الأحادية و اعتباره لها من آياته العظيمة ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً و جعل بينكم مودةً و رحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) و اعتباره لها بأنها هي الطبيعية و حتى الأمثلة من العلاقات الزوجية المذكورة في القرآن الكريم هي كلها أحادية مثل آدم و حواء، زكريا و زوجته، و غيرها.. هذا كله جعل أصحاب هذا الرأي يرون بأنه سبحانه إنما أراد التدرج من التعدد الواسع جداً إلى الأضيق ( أربع ) ثم شيئاً فشيئاً حتى القضاء على الظاهرة كما فعل في موضوع العبودية، حيث جعل عتق الرقاب من أعظم الأعمال و مكفرات الذنوب حتى انتهت العبودية ولم يحرمها بشكل مباشر، في حين يرى آخرون بأن هذا الرأي مثالي جداً غير واقعي حيث أن الأزواج ليسوا جميعهم متكافئون و سعداء و عشاق و أحبة و ذلك يقتضي التعدد الذي هو أفضل من طلاق الأولى ، إضافة إلى وجود العوانس إلى آخره من المبررات ، و بغض النظر عن درجة الصحة و الأحقية في كل من الرأيين فإن هناك أمور لابد من الالتفات لها و وضعها في الحسبان لدى كل دارس:أهمها معايشة الواقع عند التنظير،وحساب السلبيات والإيجابيات ، والأخذ بروح النص في الحسبان كيلا يتم التحايل عليه و ينقلب عند التطبيق إلى عكسه.
عفاف الجمري.
هل مازال التعدد يؤرق الكثيرات ؟(1-2)
دخل زوجها السجن في قضية سياسية لمدة طويلة عانت خلالها الأمرين من فراق الحبيب وثقل مسؤولية الأبناء وضيق الحال وضيم أهله والزمن، وبعد سنوات من الصبر جاء الفرج ، ولكن ماهي إلا أشهر قليلة حتى تزوج زميلته بحجة إنقاذها من العنوسة وبأن هذا حقه !!ليست هذه القصة من نسج الخيال بل هناك أفضع منها بكثير، وقد
تحدثنا في الحلقة السابقة عن تعدد الزوجات والآراء المختلفة بشأنه ، وذكرنا بأنه بغض النظر عن درجة الصحة أو الأحقية في هذه الآراء المطروحة ، فإن هناك أمور لابد من الالتفات لها ووضعها في الحسبان ،هي:
أولاً : صحيح أنه هناك نسبة كبيرة من العنوسة حيث أنه في البحرين وحدها حسب آخر إحصائية خمسون ألف عانس و في السعودية نصف مليون .. إلخ مما تم تناوله في بحث سابق ، و هناك زيجات كثيرة غير متكافئة أو سعيدة ، و لكن هناك أيضاً حالة طلاق كل يومين في البحرين ( بنسبة 45% حسب إحصائية 2001 ) والتي تعتبر السادسة عربياً في عدد حالات الطلاق حسب آخر إحصائية معلنة و الطلاق هذا له أسباب كثيرة منها بلا شك التطبيق غير المرشد لحكم التعدد و نسبة التعدد في البحرين في العام 81 كانت 32.2% أما المعلنة في العام 2001 فقد بلغت تقريباً 1.19% أما الغير معلنة من متعة و مسيار و علاقات محرمة فحدث ولا حرج فهي أكثر بكثير ، والنسبة المذكورة تبدو غير واقعية ولعل من أسباب ذلك لجوء الزوجة الأولى للطلاق أو اشتراط الزوجة الجديدة على الزوج بتطليق الأولى.
ثانياً: لدي تساؤل لماذا لا يتم تضمين الأخلاق في الجانب الفقهي، بمعنى عدم النظر للأحكام الفقهية بمعزل عن المبادئ الأخلاقية التي أمر بها الشرع ، فإذا كانت هناك أخلاقيات في التجارة و البيع حتى ورد حرمة البيع على البيع ( و لا يبع أحدكم على بيع بعض ) فالبيع أصلاً حلال ( كما في تعدد الزوجات ) و لكن إذا تقاطع هذا الحكم مع حكم آخر وهو مراعاة الأخوة الإسلامية عندئذ يحرم هذا البيع، و كيف تكون هناك أخلاقيات حتى في الحرب ( و لا تقطعوا شجرة و لا تهدموا كنيسة ،و.. ) و في الخطبة حيث أن ( الخطبة على الخطبة حرام ) على رأي جمهور الفقهاء و منهم الخميني و السيد محمد حسين فضل الله فلا يجوز لمؤمن أن يخطب فتاة متقدم غيره لخطبتها في نفس الوقت كيلا يؤثر عليه، مع أن الخطبة في الأصل مباحة و لكن تقاطعها في هذه الحال مع الجانب الخلقي حرمها فالحديث يقول ( تخلّقوا بأخلاق الله ) و ( إنما بُعثت لأتتم مكارم الأخلاق ). فإذا كان الحال كذلك فلماذا لا تكون هناك أخلاقيات في التزام الزوج بعهده لزوجته و الزواج هو اقدس رابطة و أكثر ما اهتم به الشارع ففصّل فيه آيات طوال طوال و لم يفعل بشأنه ما فعل بموضوع الصلاة مثلاً و الزكاة و الصيام، حيث اكتفى بالأمر بهم في القرآن و التوضيح جعله على السنة، أما العلاقات الزوجية ففصّل فيها القرآن تفصيلاً كثيراً لأن الأسرة هي نواة المجتمع و أساسه، فإذا صلحت صلح المجتمع بأكمله. نعود فنقول لماذا لا يؤخذ الجانب الأخلاقي في هذا الأمر ؟ فالتعدد مباح و لكن إذا تقاطع مع الوجوب الأخلاقي بالالتزام بالعهد هل يبقى كذلك ؟ أليس سبحانه يقول ( و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ) و أياً كان العهد هو بين الإنسان و ربه أم بين الإنسان و أخيه و أليس من صفات المنافق المذكورة في الحديث هي خيانة الوعد ( علامات المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب و إذا وعد أخلف و إذا أؤتمن خان ) أليس الإسلام دين الأخلاق و ( تخلّقوا باخلاق الله ) و الحديث يقول ( لا تحاسدوا و لا تباغضوا ولا يبع أحدكم على بيع بعض ) أليس التعدد هو من أكبر دواعي التحاسد و التباغض بين الإناث اللواتي هن أساس المجتمع و الحضون المربية ( الأم مدرسةٌ إذا أعددتها ) إن الشاب إذا تقدم لخطبة فتاة فإن الاتفاق الضمني بينهما في بداية الزواج هو أن يكون لها وحدها و لذلك تعطيه أفضل ما لديها معنوياً و مادياً و تضحي لأجله بكل شيء ، و لكنه عندما يغدر بها و يخون العهد معها فيتزوج غيرها تحاول سحب كل ما أعطته إياه وأنى لها ما ذهب من صحتها و شبابها و مالها، هذا غير أن القوانين لا تحميها ولاتنصفها والأعراف المجتمعية بعيدة كل البعد عن روح الإسلام.
عفاف الجمري.
هل مازال التعدد يؤرق الكثيرات؟(1-3)
تزوجته عن حب رغم عدم رضا أهلها به ، عافت أهلها لأجله ، وعاشت معه أحلى الأيام رغم الضيق المادي ، مضت سنو الشباب أثمرت خلالها أربع فلذات كبد ،بنت المنزل بمالها الذي ورثته من أبيها ولحبها له أسكنت أهله معها ،وفي أحد الأيام جلست تنتظره على الغذاء فلم يعد ، طال غيابه فسالت عنه كل من يعرفه فكانت الصاعقة أنه قد سافر مع عروس جديدة ، صدمت فطلبت الطلاق فكان الثمن هو أن يخرجها مع أولادها من بيتها إلى المجهول!!
لست ضد التعدد كخيار مطروح و لكن الكلام في ترشيد استعمالات هذا الخيار بمعنى عدم جعله يتعارض مع - لا أقول خيار – و لكن مع وجوب الالتزام بالأخلاق الإسلامية التي نص عليها الشارع في وجوب الالتزام بالعهد ، ليكن الرجل واضحاً مع من يريد تزوجها منذ البداية إن كان لها وحدها أم أنها ضمن مجموعة زوجات ( بما فيهن المتعة أو المسيار ) و كل واحدة تختار على حسب ظروفها فالتي ظروفها تجلب لها زواجاً أحادياً ترفض و التي ظروفها لا تجلب لها أفضل من ذلك تقبل و بذلك لا يكون هناك خيانة عهد ، أما أن يتزوج أفضل الموجود ثم يخدعها فذلك حتماً ليس من روح الإسلام، و رسول الله (ص) مارس الزواج الأحادي كما أنه مارس التعدد دون أن يقع في رذيلة الخيانة حيث كان واضحاً في كلتا الحالتين منذ البداية.. يسعدني أن أرى الزواج الأحادي السعيد ، كما يسعدني أن أرى الزواج المتعدد ( على طريقة الحاج متولي ) بشرط ألا يتضمن خيانة ، و قد رأيت واقعاً أحد رجال الدين خطب امرأة و قال لها في الخطبة أنه سيتزوج معها 3 نساء و هي حرة في الاختيار، فإن أمكن ممارسة التعدد دون الإخلال بوعد صريح أو ضمني قطعه الزوج لزوجته فشيء جيد و لكن أن يحول حكم من عامل بناء إلى عامل هدم لا مثيل له للأسر و نخلط الاوراق و نقول شرع الله سبحانه و تعالى فذلك خلط واضح بين ، فالشرع وضع خيارات هذا من ضمنها و وضع خطوط حمراء و التزامات منها الالتزام بالعهد الذي هو من أهم عناصر الأخلاق الإسلامية، إن عقد الزواج مثل بقية العقود من بيع و تجارة، بل أهمها و أقدسها ، مطلوب فيه كما فيها الوضوح منذ البداية، إن الطريقة الممارسة حالياً في التعدد حولته لأكبر عامل هدم للأسر، فالحكم الشرعي إذا لم يفهم مقصده و لم يرشد يُساء استغلاله مثل كل قانون لا توضع له ضوابط ، فالقانون لا يحمي نفسه حيث يتم التحايل عليه ، و لذلك فإنه من الضرورة الاهتمام بمقاصد الشريعة او كما يسميه بعض العلماء مثل السيد محمد تقي المدرسي و الدكتور محمد الزحيلي والشيخ حميد المبارك وغيرهم بالفقه المقاصدي ، و إلا تحولت الكثير من الأحكام إلى ضدها ، فالصلاة في حد ذاتها تربية للروح و لكن أن يعكف شخص على الصلاة و يترك كل أمور الدنيا يحولها لعامل هدم ، إننا نجد بأن كثيرا من الرجال تحولوا لحيوانات تسعى لإرضاء شهوتها فقط بدون أدنى توقف حتى وقعوا في الحرام و المرأة يبرر التزوج عليها بأتفه الأسباب في حين لا يبرر طلاق المرأة لزوجها إلا للمعضلات ، نعم نرى أسراً مهدمة بلا عدد بسبب هذا الأمر بل أن الرجل بعد أن يخون زوجته و تطلب الطلاق عتد الصدمة يطلب منها تعويضاً مادياً خيالياً مع أنه سبحانه و تعالى يقول ( و لا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) النساء: 19
و حتى في حال أراد الزوج طلاق زوجته لأجل زوجة جديدة و هو ما يحدث بكثرة ،أليس من الأخلاق في حال ميل قلبه لغيرها هو إما أن يبقيها و يسترضيها بما تشاء بعد الإذن منها طبعاً أو يطلقها مع تعويض يمنحها إياه عن كل ما أحدثه لها من ضرر؟ أليست هذه هي الأخلاق الإسلامية؟ و الله سبحانه و تعالى يقول ( و إن أردتم استبدال زوج مكان زوج و آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً و إثماً مبينا ) النساء: 20 ، و هذا كله خلاف الواقع، إن من الفقهاء الذين يستشعرون مآسي النساء وهوآية الله الشيخ يوسف صانعي قد أفتى بكراهة الزواج الثاني (وقبله الشيخ الطوسي ) و بعدم جوازه إلا بعد أخذ الإذن من الأولى،وقد ضمن هذا الحكم في قانون الأحوال في كل من إيران ومصر ، و بعض الفقهاء أفتى بأنه في حال الطلاق بعد عمر طويل قضاه الزوج مع زوجته كون خلاله مستقبله المادي فإن لها نصف ما يملك الزوج من منزل و مال ، وقد ضمن هذا الحكم أيضا في قانون الأحوال الإيراني ، وهكذا نرى بأن النظر للنصوص الشرعية بتمعن و بالأخذ في الاعتبار بمقاصد الشريعة يحميها من الانقلاب لعكس مرادها و يعطينا فهما فقهيا يكون قاعدة لحياة لا حيف فيها ولا ظلم فسبحانه جميل لايمكن أن يصدر منه غير الجميل .
عفاف الجمري
Afaf39474225@gmail.com
Subscribe to:
Posts (Atom)