Monday, March 30, 2009

مايكل.. بهلول أميركا المغبوط

البهلول هو أبو وهيب بهلول بن عمر الصيرفي الكوفي، ولد بالكوفة في زمن هارون الرشيد، وهو أحد الشخصيات التي تألقت في التاريخ العربي والإسلامي وكنيته أبو عمرو.
ويقال: إن أباه عمرو كان عم الرشيد كما في ''تاريخ المستوفي''..
وله قصص كثيرة رويت دلت على حكمته ورجاحة عقله وقد وصفه المؤرخون بالفقيه الحكيم الورع الذي كان يتستر بغطاء الجنون ليتلافى سطوة السلطان، وكان يركب عصا طويلة يجوب بها السوق ويسميها حصانه والصبيان يركضون وراءه، ويوجه نقده اللاذع لكل أوجه الفساد في الدولة ويتجرأ على الخليفة وبأسلوب ساخر محتميا بمظهر المجنون وكل ذلك بغرض الإصلاح.
أما مايكل مور فهو مخرج سينمائي أميركي معاصر، وكاتب، معارض للإدارة الأميركية بصورة عقلانية وساخرة في الوقت ذاته، اشتهر في السنوات الأخيرة ولقيت آراؤه إقبالا من الأميركيين وغيرهم بسبب منطقيتها وتدعيمها بالوثائق.
واشتهر اسم مور الحاصل على جائزة الأوسكار من خلال أفلامه الوثائقية وعلى رأسها فيلم ''فهرينهايت 11/''9 عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ,2001 كما أصبح كتابه ''الرجل الأبيض الغبي'' من أكثر الكتب مبيعا على مستوى العالم.
وفي فيلمه (فهرنهايت 9/11) يتحدث عن إدارة الرئيس بوش، يفضح فيها علاقاتها وأساليبها وتعاملها مع تفجير برجي مركز التجارة الدولي بأسلوبه الساخر الجريء، وهي نادرة أن تخرج فيها لجنة التحكيم عن تقاليدها بمنح الجائزة للدراما، ومور لا يقف فحسب ضد الحرب، لكنه أيضا يشكك في شرعية فوز الرئيس بوش في الانتخابات الرئاسية، ويظهر للمرة الأولى كيف أعلنت التلفزيونات الأميركية المرشح آل غور فائزا، قبل أن تعود شبكة ''فوكس'' التي يرأسها شقيق بوش لتعلن فوزه، وحين فاز مايكل مور بالأوسكار، فاجأ الجميع بكلمة على الهواء شاهدها كلّ العالم وهاجم فيها جورج بوش ورئاسته وسياسته.
بعد الحرب خرج بكتابه عن الأغبياء الذين يحكمون الولايات المتحدة الذي صار الأكثر مبيعاً، وحمل صورة غلاف تمثّل تمثال بوش الذي أسقطته مظاهرة لندن الشهيرة، تيمناً بإسقاط تمثال صدام حسين في بغداد وحين سئل عن إمكانية إعادة انتخاب ''بوش'' لولاية ثانية'' قال ''يجب أن يكون قد انتخب لولاية أولى حتى يمكننا الحديث عن إعادة انتخابه''. ما قاله هذا سبق له أن قاله أيضا في كتابه المذكور الذي واجه حصارا كالذي واجهه فيلمه، قبل أن يتربع على قائمة أكثر الكتب مبيعا في موقع ''الأمازون'' لعامين متتاليين ويعاد طبعه أكثر من عشر طبعات، وفي هذا الكتاب كشف مور علاقات رجال بوش بشركات النفط والعلاقات العامة ومصانع السلاح الأميركية، ودوافعهم المشبوهة لشن الحروب وتأجيج نار العداوات في العالم، ولم يسلم منه أحد منهم.
لمايكل أيضا فيلم رائع عرض في مهرجان القاهرة السينمائي هو (بولينج من أجل كولمباين)، وفيه يدين المجتمع الأميركي الذي يشجع العنف وينمي روح العداء، أما الفيلم الذي صنع شهرته الأولى فكان ''روجر وأنا'' وروجر هذا هو رئيس شركة جنرال موتورز التي حولت مدينة فلينت حيث يقيم ''مور'' إلى خراب، وفيلمه ''العودة إلى فلينت'' وتبعه بـ ''لحم الخنزير الكندي'' ويعرض فيه للغزو الثقافي الأميركي لكندا، ثم ''الأضخم'' إضافة إلى كولمباين. أما الفضيحة الأخرى التي لا تقل أهمية عن أحداث سبتمبر/ أيلول فهو فيلمه (سيكو) الذي فضح فيه سياسة الإدارة الأميركية في تواطئها مع شركات التأمين الصحي بثغراتها الكبيرة التي تركت حتى متطوعي وعمال الإنقاذ في برجي التجارة بلا علاج لمدة تفوق الست سنوات حتى جمعهم في قارب وعبر بهم البحر لكوبا عدوة أميركا والتي قد فرض عليها حصارا أميركيا فذهب بهم إليها حيث عولجوا مجانا وكل ذلك بالصوت والصورة. وهذا الفيلم عرضه على الكونغرس أي في عقر دارهم. وحتى في الانتخابات الأميركية الأخيرة فقد أنتج فيلما وعرضه مجانا على موقعه الالكتروني بدلا من عرضه في دور العرض السينمائي وقال هو ''هدية بالكامل لجمهوري''.
حاليا يعد لفيلم يفضح أسباب الأزمة المالية وقد عرض على موقعه الالكتروني يطلب المساعدة المعلوماتية من أصحاب الشأن مع الوعد بالحفاظ على هويتهم.
أحد النقاد السينمائيين الأميركيين أشار إلى أن ''مور يغضب الكثيرين لأنه يفضح أشياء كثيرة يخشى من قولها كبار النجوم.. إنه يقتحم الغرف المغلقة لأنه يؤمن بعمله ولا يتردد من الذهاب إلى آخر الشوط مادام الأمر يتعلق بالحقيقة''.
الخلاصة أنه معارض ليس لأجل المعارضة لكن لأجل الإصلاح في بلده وقد رأينا كيف أنه استعمل كل الأساليب السلمية التي تفتقت عنها عبقريته من إنتاج كتب وأفلام وخطب ومحاضرات بل وحتى دخل مبنى الكونغرس والأكبر من ذلك أنه ذهب لدولة تعاديها الإدارة الأميركية طالبا المساعدة الإنسانية والعلاج لمرافقيه الذين قصرت معهم حكومتهم، لذلك فهو بهلول الأميركي المغبوط بشدة من كل المعارضين العرب، بل وحتى من بهلول نفسه لأنه لم يضطر للتظاهر بالجنون.