Sunday, June 1, 2008

بيت الشعب و ليس الحكومة

بيت الشعب و ليس الحكومة
كلمة ديمقراطية جاءت من منشئ يوناني قديم ، وتتكون من كلمتين ممتزجتين و هما : (ديموس) و معناها : أمة ، و( كراتوس) و معناها: سلطة ، أي سلطة الأمة ، بمعنى آخر: الأمة هي مصدر السلطات .
وقد حققت الحضارة اليونانية القديمة إنجازات عظيمة على مستوى الفكر و الفلسفة و الحكم و السياسة و بسبب كونها سابقة للحضارة الإسلامية بقرون ( القرن السابع قبل الميلاد) فقد ترجم المسلمون كتبهم إبان النهضة الإسلامية و استفادوا منهم ، أضافوا إليهم في جوانب و انتقدوا و صححوا في أخرى ، و أصبحوا همزة وصل لنقل تراثهم للحاضر ، و بما أن المنظرون الإسلاميون و الفقهاء قد استفادوا من الحضارات السابقة ، خصوصا في مناطق الفراغ التشريعي و بما لا يتعارض مع الثوابت الإسلامية ، فإن من أهم ما استفاد منه( أو التقى معهم فيه ) بعض المنظرين الحديثين للفكر الإسلامي ( مثل آية الله محمد حسين النائيني و غيره )، من المفكرين اليونانيين ، هي نظرية الحكم الديمقراطية ، و هي ذاتها التي أجمع عليها االعالم في العصر الحديث بعد مخاضات مريرة مرت بها الشعوب من الصراع مع السلطات الحاكمة ، و بذلك أصبحت هذه النظرية تقريبا بمثابة مرجعية عامة موحدة لكل شعوب العالم و يحتكم على أساسها و هي المدار الذي ( أو ينبغي أن ) تدور حوله كل الاتفاقيات و القرارات الدولية ، و التي تكالبت كل الدول للتوقيع عليها مع اختلاف سرعة أو بطئ بعضها عن بعض بحسب درجة الضغوط الداخلية و الخارجية الدافعة لها و ذلك سعيا لمواكبة ركب التقدم العالمي ، الذي لم يعد يقبل بأي متخلف عنه ، فأصبحت الكيانات التي تندفع فقط لأجل التجمل في حيرة و تناقض كبيرين و ضغوط داخلية و خارجية أكبر و كلما أمعنت في الخداع كلما غاصت في أزماتها أكثر حتى تصل إلى نقطة التصالح بين ذاتها و شعوبها فتستقر لتمضي قدما في ركب النمو و التطور .
و البحرين مثلها مثل بقية دول العالم حاولت اللحاق بالركب الديمقراطي في فترتين من عمرها الحديث و الانتقال من الحكم القبلي إلى الديمقراطي فقفزت قفزة كبيرة مباشرة بعد الاستقلال بداية السبعينيات و لكن الحكم لم يستطع التأقلم مع هذه القفزة الكبيرة و سرعان ما انكفأ على نفسه و أنهى الحياة البرلمانية و عاد لسابق عهده ،و القفزة الثانية هي التي تلت انتفاضة التسعينيات و سميت بالعهد الإصلاحي و بدأت بخطوات كبيرة ثم فجأة بدأت بالتوقف ثم التراجع التدريجي ، بيد أن المشكلة الآن هي ليست مع الشعب وحده و لكن مع المجتمع الدولي الذي لايقبل بمن يتخلف عن الركب أولا ، و ثانيا و بسبب توقيع البحرين على الاتفاقيات الدولية الداعمة للديمقراطية و حقوق الإنسان و التي من أهمها العهدان الدوليان الخاصان بالحقوق السياسية و المدنية ، فإن ذلك يعطي صلاحية للمجتمع الدولي أن يقوم بعملية الرقابة على تنفيذ الاتفاقيات بصورة مستمرة و بالطرق التي يرتئيها و هذا هو التحدي .
إن ما حدث في جلسة يوم الثلاثاء الماضي البرلمانية (26/2/2008) ، لهو خروج ليس فقط على الديمقراطية بل حتى على بنود اللائحة الداخلية للمجلس ، وعلى ما فيها من تضييق للعمل البرلماني و تشوهات فإنها لم يتم الالتزام بها ،فبحسب اللائحة ، يمر أي استجواب بثلاث مراحل: الأولى : النظر في الاستجواب من حيث استيفائه للشروط من الناحية الموضوعية و الشكلية و عدم تعارضه مع الدستور طبقا للمادة (145) من اللائحة الداخلية .
الثانية : أن يحال من هيئة المكتب إلى اللجنة المختصة حيث تباشرالاستجواب التفصيلي مع المستجوب ثم تكتب تقريرها و تعرضه على المجلس .
الثالثة : يتم التصويت عليه في المجلس من حيث الإدانة فيتم طرح الثقة أو البراءة .
و الإدانة تحتاج إلى 27 صوتا(ثلثي الأعضاء) و هذه النسبة لا يمتلكها أحد ، لا نواب المعارضة و لا الموالاة .
إن موضوع الاستجواب هذا مشكل ديقراطيا من أوله لآخره ففضيحة بهذا الحجم (التقرير المثير )لاتحتمل الصمت و قد استجاب الجميع لطلب الحكومة بحجة أن الموضوع عند القضاء و مر الوقت و لم يطلع علينا القضاء بشيء، و لم يتناول جميع الجوانب( كالجوانب المالية مثلا ) و كل ما طلع به هو إدانة من سرب الوثائق الخاصة بالتقرير ، و لما ضبطت المعارضة أعصابها و حاولت معالجة الموضوع برلمانيا بدءا بالجوانب المالية و طرحت الموضوع في دور الانعقاد الأول و تم قبوله من قبل هيئة المكتب حيث أوضحت مذكرة المستشار عمر بركات التي وزعت على الصحافة ، سلامة مذكرة الاستجواب من جميع النواحي ووافق الرئيس عليها بل صوت لصالحها و لكن التوقيت لم يكن موفقا حيث انتهى الدور الأول ، و عندما أعيد تقديم الطلب في الدور الثاني تم رفضه بحجة الشبهة الدستورية فكيف يكون ذلك؟ الاستجواب هو نفسه و المحاور هي نفسها و لم يعط الرئيس تفسيرا منطقيا لتغير موقفه ، خصوصا و أن الاستجواب جاء متزامنا مع طلب استجواب الوزير منصور بن رجب و الذي أعطى رسالة خطيرة مفادها أن سبب التغيير هو قرار سياسي أو ضغط وقع على الرئيس مما يعكس خللا في تفعيل أدوات المجلس الرقابية و التي يجب أن تنطبق على كل وزير مهما كان مذهبه أو نسبه سواء كان من العائلة المالكة أو غيرها ، و بغض النظر عن الكتل و توجهاتها و موضوع الاستجواب و جدواه فإن الأهم و الذي ينبغي من الجميع الحفاظ عليه هومبدأ تفعيل الأدوات البرلمانية و أن ماحدث يؤسس لانقلاب على استقلال البرلمان الذي هو بيت الشعب و ليس بيت التجار و لا الحكومة .
عفاف الجمري .

No comments: