الشعوب الإسلامية تتدين بالولاء لقياداتها الإسلامية لا السياسية الحاكمة
(1107 مجموع الكلمات في هذا النص)
(401 قراءة)
في محاولة لفهم الواقع بفرض التعامل الواعي معه من قبل أي سياسي عليه ألا يغفل بأن الشعوب الإسلامية على الأغلب تدين بالولاء لقياداتها الإسلامية لا السياسية الحاكمة أيا كانت هذه القيادات بغض النظر عما لها وما عليها إلا ما ندر فالحاكمية الفعلية للقيادة الروحية ، فعادة ما نسمع في الشرق الإسلامي عن قادة إسلاميين للثورات ونادراً ما نسمع عن قادة علمانيين كما يحدث في أوربا التي انفصلت شعوبها عن الكنيسة روحياً أياً كانت الأسباب.
فالشيخ عبد القادر الحسيني قد تزعم ثورة التحرير في فلسطين . وثورة العشرين في العراق كانت بقيادة المراجع الروحية الإسلامية . والثورة الإسلامية في إيران بزعامة آية الله الخميني (قدس ) . والثورة على الروس في أفغانستان تزعمتها الأطياف الإسلامية بغض النظر عن مذاهبها . وتحرير الجنوب في لبنان تحت راية حزب الله المنضوي تحت لواء "الولي الفقيه " .
وأخيراً ولا نذهب بعيداً فالحركة المطلبية في البحرين صحيح أن جميع الأطياف السياسية تزعمتها ولكن تجاوب الشارع الشعبي إنما كان بسبب الرموز الإسلامية ولا نقول هذا من باب استئصال جهود الآخرين وإنكارها وإنما تشخيصاً للواقع وإقراراً به لمعرفة كيفية التعامل معه .
أما القيادات العلمانية لم تستحوذ إلا بالانقلابات ، إلا إن هناك استثناء فيما يخص مصر والظاهرة الناصرية فهو زعيم بالرغم من أنه ليس بعالم دين أو فقيه .
على هذا سعت الأنظمة الحاكمة دوماً للتحايل على هذه الحقيقة بإيجاد ما يسمى بوعاظ السلاطين لإضفاء المصداقية على أنظمتها أو أنها إذا أرادت هذه الأنظمة الإصلاح الفعلي وتحقيق السلم الداخلي في البلد وكانت حاكمة فإنها تتصالح مع قيادة الشعب الحقيقية أياً كانت على أي ديانة فقط تكون ممثلة لديانة الشعب .
وإذا كان الواقع هكذا فإنه لا يعني إنه لا يحتاج إلى تشذيب وتهذيب ومن هنا طلعت ما يسمى بـ (( دعاوى التجديد في الفكر الإسلامي )) لإزالة الشوائب التي علقت بفهم نصوصه ( القرآن والسنة ) الناتجة من الأعراف والتقاليد وحقيقة فإن هذه الدعاوى إن صدرت من العلماء أنفسهم ، من صميم الفكر الإسلامي فهي لا تثير الشكوك والزوابع بنفس الدرجة فيما لو كانت من خارج إطار الفكر الإسلامي وتكون مقبولة إلى درجة ما لأنها من باب تنظيم البيت الداخلي من قبل أصحابه كما نرى مثلاً في التوجهات الجديدة للعلامة السيد محمد حسين فضل الله والمرحوم الغزالي وغيرهما ، أما إذا جاءت من خارج إطار التيار الإسلامي فإنها وإن كانت صحيحة في الكثير من جوانبها إلا أنها غير مقبولة لأنها صادرة من خارج البيت وليست بالضرورة تتوخى النقد البناء الذي يهدف إلى التطوير في الإطار الإسلامي بل قد يكون هدفها هو الهدم لا غير وسحب البساط وتغيير المكاسب التاريخية المتمثلة في الحاكمية الإسلامية على قلوب الشعوب .
من هذا المنطلق يجب الإقرار بأن هناك ملفات ساخنة بقيت مغلقة لفترات طويلة طويلة لأسباب مختلفة وشتى تنتظر البت فيها ، وعوداً على بدء فإنه لن ينحفق أي حراك بحقها في المجتمع الإسلامي ما لم تتزعمه القيادات الروحية ولا يعني هذا التقليل من شأن التيارات الثقافية الأخرى وجهودها ومبادراتها ولكن هذا واقع لا يغفله الناشط الحكيم الذي يعني أن يسعى للتعامل مع القوى المؤثرة في المجتمع أسهل عليه من محاولة قلب الطاولة عليه أو سحب البساط من تحتها .
إن من أهم الملفات الساخنة بل وأسخنها على الإطلاق هو ملف المرأة بتفريعاته المتعددة "، وما ملف قانون الأحوال الشخصية إلا جزء من أهم أجزاء هذا الملف . إن وجود قانون ينظم الأحوال الشخصية هو ضرورة من أكبر الضرورات على الدوام ، المتضرر الأكبر من عدمه هو طبعاً الحلقة الأضعف وهي المرأة ، لا أحد يختلف على ضرورته وإنما الاختلاف في من الذي يسنه ، فحسب النظرة الإسلامية بأن كل شيء يجب أن لا ينبع إلا من القرآن والسنة حيث إن القرآن به الكليات ، وتفسيرها موجود في السنة ، تكملها اجتهادات المراجع ( في الأمور المستجدة ) والمراجع هم المختصون بدراسة الفقه والشريعة ، وانطلاقاً من قوله تعالى (( ما فرطنا في الكتاب من شيء )) وما ورد في السنة من أن ( حلال محمد "ص" حلال إلى يوم القيامة ، وحرام محمد "ص" حرام إلى يوم القيامة ) . والقاعدة الفقهية التي تقول : ( ما من واقعة إلا ولله فيها حكم ) ، فقط يبقى استخراج هذا الحكم الذي إما أنه ورد بنصه في القرآن أو السنة أو استنباطه من قبل المرجع المختص الذي يستنبطه في ضوء الكليات والقواعد الأساسية في القرآن ، فمن الناحية النظرية يبقى فقط أن يستشعر المرجع المختص أو تشعره القاعدة الشعبية بالحاجة لاستنباط الحكم الشرعي في الجانب الفارغ المحتاج إلى معرفة حكمه الشرعي ، ومناطق الفراغ تتفرع بحسب تطور الزمن وما الحاجة لسن قانوناً للأحوال الشخصية إلا إحدى مناطق الفراغ هذه ، صحيح إنه توجد أحكام شرعية واضحة وصريحة تخص الأحوال الشخصية كالطلاق والعقد والميراث والنفقة ولكن هناك قضايا فرعية عنها لم تصدر فتاوى بشأنها تنظمها مما يحدث عدم سد فراغها مفسدة كبيرة ومثال على ذلك : مقدار النفقة المعطاة لكل طفل من الأطفال للأم بعد الطلاق فقد سارت المحاكم في البحرين مثلاً لمدة طويلة على تخصيص مبلغ ثلاثين دينارا لكل طفل فقط مما لا يتناسب ومستوى المعيشة الحالية في البحرين وعلاوة على ذلك فإن المطلق يتمكن بسهولة من التملص من دفع هذا المبلغ بأن يستقيل من عمله مثلاً .
وأيضاً فيما يتعلق بمقدار ما تغرمه المرأة الطالبة للطلاق من زوجها ، ففي الشرع أنها تغرم له ولكن لم يرد تحديد ما تغرمه فتعتبر هذه منطقة فراغ يستطيع المرجع المجتهد أن يملأها حسب ظروف زمانه ، فقد حدثت حوادث كثيرة يندي لها الجبين منها على سبيل المثال ما نشر في الجرائد المحلية العام الماضي ( 2002 ) من خبر امرأة حصلت على الطلاق مقابل خمسين ألف دينار و منها تلك التي حصلت عليه مقابل التنازل عن بيتين بنتهما بمالها وهذا كله يعتبر حصيلة عمرها وسنوات عملها كموظفة عادية في وزارة التربية وليست هي مليونيرة ولا بنت أكابر فلو كان هناك قانون يحد مقدار ما تغرمه لتم دفع هذه المفسدة ، صحيح أنه لا ينبغي التشجيع على الطلاق ولكن هناك حالات يكون الطلاق فيها هو المخرج الوحيد من باب ( آخر الدواء الكي ).
إن التعلل بأن القاضي هو الذي يقدر بشكل آني الحكم يعتبر غير مقبول وقد رأينا ما أفرز من مفاسد أما التعلل بأن البرلمان ليس من اختصاصه البت في هذا الأمر فهو مقبول مائة بالمائة لأن هذا الأمر لا يجوز شرعاً أن يبت فيه إلا الرسول "ص" ( وعند الشيعة الرسول "ص" والأئمة الأثنى عشر "ع" من بعده ) ثم الفقهاء العدول الذين يستعينون أيضاً باستشارة المختصين ، ولكن السؤال يبقى لماذا قصّر علماؤنا في هذا الجانب طوال هذه السنين ؟
لماذا لم يستشعروا الحاجة ويبادروا ويتقدموا بمشروع للقانون ؟ لماذا ينتظرون المبادرات دائما من الغير ً ليكتفوا فقط بردود الأفعال ؟ لماذا ردود الأفعال غالباً غير مقترنة بالبديل ؟ إن الغيرة على الشرع مطلب ولكن تيسير أمور الناس مطلب آخر وهدف للشرع أيضاً ، وتقديم البديل بعد الرفض هو عين الحكمة والصواب والأجدى والأولى هو المبادرة لسد النقص في كل ما يستجد ويتطور سواءً على مستوى هذا الأمر أو غيره من الأمور المستجدة وما أكثرها قبل أن يسد الفراغ بصورة ليست بالضرورة شرعية لندخل بعد ذلك في دوامة صراع جديد .
عفاف الجمري - الوسط - 2003م
Sunday, December 14, 2008
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment