Sunday, December 14, 2008

العولمة ما لها وما عليها وسبل مواجهتها

(1529 مجموع الكلمات في هذا النص)
(948 قراءة)




العولمة ما لها وما عليها وسبل مواجهتها



عفاف عبد الامير الجمري×

العولمة « Globalization»


شاع استعمال لفظ "العولمة" في السنوات الأخيرة وبالذات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي . ومع هذا فان المعنى النظري أو الأيديولوجي الذي يدعو إليه أصحاب هذه الفكرة ليس جديداً كجدة المصطلح الذي لو بحثنا في معناه اللغوي لوجدنا أنه يعني جعل الشيء عالميا.

اما اصطلاحا فهو يتضمن عناصر عدة أهمها:

- انتشار المعلومات بحيث تصبح متاحة لجميع الناس وبسرعة كبيرة.

- إذابة الحدود بين المجتمعات والمؤسسات.

- زيادة معدل التشابه بين الأمم، سواء المتمثلة في تبادل السلع والخدمات أو في انتقال رؤوس الأموال والأفراد.

وتهدف العولمة إلى تحقيق مجتمع هجين مختلط الأعراق والعناصر بحيث لا تكون هناك جذور محلية (وطنية أو دينية أو لغوية) تربط الإنسان إلى موطن بعينه أو أمة محددة أو بلد واحد وفي زعم مروجيها أن هذا يخلق إنسانا له «جذور وأجنحة».

وباختصار هي «نظام عالمي جديد يقوم على العقل الالكتروني والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود، من دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم، والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم» وهي تهدف (كما يدعون) إلى جعل العالم كله أسرة واحدة ذات مصير واحد باقتصاد واحد وتراث واحد «حيث تدعو إلى إعادة صياغة التراث» وذات واحدة دون الانتماء لجهة معينة أو بقعة معينة.

وهي عكس «المحلية» التي تعزز الحدود وتعزز الانتماء لبقعة محددة أو دين محدد وتمنع عبور الأفكار الواردة.

وفي العولمة تزول سلطة الدولة لصالح الشركات المتعددة الجنسية العملاقة ويصبح دور الدولة ظاهريا فقط في الضم والتسريح وتحول خدماتها كلها إلى الشركات غير المعلن هويتها تحت عنوان الخصخصة (أو التخصيص) بحجة أن خدماتها أفضل من خدمات الدولة.



النشأة التاريخية للعولمة



في نهاية الحرب العالمية الثانية، تم تقسيم العالم إلى معسكرين هما:

- المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة، الذي أخذ نظرية ادم سميث القائلة بأن دور الدولة ضعيف في النشاط الاقتصادي والتجاري والداعية إلى تحقيق سوق حرة.

- المعسكر الثاني بزعامة روسيا، الذي أخذ بمبدأ كارل ماركس الذي دعا إلى الأسس الاشتراكية وتدخل الدولة.

وحينما انهار المعسكر الاشتراكي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، أخذ المعسكر الأول (بزعامة أميركا) بتعميق دوره وسيطرته على العالم بالوسائل والذرائع المختلفة باعتباره القطب الأوحد. فمن ذريعة مكافحة الإرهاب إلى ذريعة حقوق الإنسان وإطلاق الحريات وأخيرا توحيد العالم تحت شعار العولمة قبل أن يأتي مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الموسع.

وفي هذا الظرف ظهرت التكتلات الاقتصادية في محاولة لوقف غزو السوق الأميركي وتأثيراته من مثل:

1- تكوين سوق اوروبية مشتركة وتوقيع معاهدة ماستريخت، التي تنص على إزالة كل القيود والحدود أمام تدفق التجارة والسلع، وانتقال الأشخاص والمعلومات بين الدول الاوروبية وإصدار عملة واحدة هي اليورو في مقابل الدولار الأميركي.

2- تشكيل تجمع «الآسيان» لدول جنوب آسيا.

3- السوق المشتركة لجنوب وشرق أفريقيا.

وتتبلور فكرة العولمة مع إنشاء المنظمة العالمية للتجارة في العام 1995، التي تعني فتح الأسواق بعضها على بعض، ليكون الرابح الأقوى صاحب الرأسمال الأكثر والبقاء للأقوى.

وتتمثل ملامح العولمة في المجال الاقتصادي:

- في فتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يقوم على الصفقات الكبرى، (شركات التنقيب عن النفط مثلاً).

- تركيز النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي في يد مجموعة قليلة، مثال الشركات المتعددة الجنسية التي توجد في تسع دول منها: أميركا واليابان وبريطانيا وفرنسا.

وعلى الدولة القوية أن ترخي قبضتها شيئا فشيئا عن الاقتصاد والمجتمع تحقيقا لمصالح هذه الشركات، فالقيود الجمركية يجري تخفيفها أو الغاؤها، وكذلك الابتعاد عن التخطيط المركزي.

وهذه الشركات لها سلبياتها ولها إيجابياتها. ومن سلبياتها:

- استعمال العمالة الوطنية على اعتبار أنها العمالة الرخيصة التي تقبل بساعات عمل طويلة مقابلة رواتب زهيدة تحقيقا لمصالح هذه الشركات.

- الضغط على الحكومات بإصدار تشريعات تلائمها بل وحتى تطيح بالحكومات أحيانا إن تعارضت مع مصالحها.

- ومن سمات العولمة الاقتصادية ما يسمى بالخصخصة (أو التخصيص) ويعني تحويل الخدمات الحكومية التي تقدمها عبر وزاراتها إلى القطاع الخاص الذي يقوم بدوره بتسريح عدد كبير من الموظفين، وتقليل رواتب المتبقي منهم عدا أن كفاءة الخدمات التي يقدمها أقل من التي تقدمها الحكومة.

- ومن سماتها المهمة التكتلات الكبرى اذ يتم دمج المشاريع في مؤسسات كبرى لتتمكن من المنافسة في السوق أما التجار الصغار فان التيار يجرفهم والبقاء للأقوى، والبضاعة الأجنبية ذات العلامة التجارية المشهورة ، هي التي تنتصر وتروج أما البضائع المحلية فتتكدس وتموت، ومبدأ حماية المواطن ودعم السلع الاستهلاكية ينتهي لأنه يتناقض مع العولمة وبذلك تزداد الدول الكبرى قوة وثراء وتزداد الدول الفقيرة ضعفا وفقرا فتسقط الشعارات البراقة التي تنادي بها العولمة.

ومن إيجابياتها:

- انتقال التكنولوجيا المتطورة والتدريب من الدول الكبرى، ولو كان العامل التكنولوجي ضئيلاً جدا، إلى الدول الفقيرة.

- منع الاحتكار في السوق المحلي.



العولمة الثقافية



تتمثل العولمة الثقافية في فرض النموذج الغربي الأميركي على شعوب العالم وتعميمه باعتباره الأصلح، والحق إن تقليد الشعوب الضعيفة من باب تقليد المغلوب للغالب كما يقول ابن خلدون في مقدمته. فالثقافة الأميركية أصبحت هي السائدة والذوق الأميركي هو السائد في اللباس واللغة واللكنة بل وحتى في الفنون والآداب والفكر، بل أن توجه الداعين للعولمة الثقافية قائم نحو إعادة صياغة التراث والذات والتاريخ أيضا، كيلا يبقى هناك شيء خاص يشد الشعوب لتاريخها أو تراثها أو دينها ووطنها. ويأتي ذلك تحت دعاوى مختلفة من قبيل تجديد الدين، وحقوق المرأة، والحداثة في الأدب وان كنا لا ننكر أن هناك ممارسات خاطئة كثيرة باسم الدين. وفي ما يتعلق بالمرأة بخاصة، فانها تحتاج إلى تشذيب وإصلاح لكن النموذج الغربي ليس هو البديل وإنما بإعادة الفهم الصحيح للدين غير القائم على التأويل الغربي بل على روح القرآن والسنة الصحيحة.

وفي الواقع أن العولمة الثقافية موجهة لكل الشعوب عدا الكيان الصهيوني الذي يطوع العولمة والعالم كله لمبادئه الدينية وأسسه الاستبدادية.



العولمة السياسية



تتمثل العولمة السياسية في السيطرة الأميركية على العالم تحت ذرائع مختلفة من نظير مكافحة الارهاب إلى نشر الحريات وحقوق الإنسان (مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الموسع). وعلى هذا الأساس تسعى أميركا لتعميم المشروع السياسي الغربي المتمثل في البرلمان (ولكنه ناقص الصلاحيات كثيرا عن الغربي)، والتعددية الحزبية وحقوق الإنسان وكل ذلك لامتصاص نقمة الشعوب بإعطائها فرصة للتعبير دون أن يرقى ذلك لاستقلالها التام ورسم سياساتها لوحدها، بل ان أميركا هي المسيطرة من أعلى وقواعدها العسكرية منتشرة في كل مكان وهي الحكومة المطلقة وتتحكم في الموارد المالية وبخاصة النفط.



آليات العولمة: المنظمات الدولية



- صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذان ما أن تضطر الدول الضعيفة للاقتراض منهما حتى تقع تحت نير الاستعباد بفرض شروط قاسية جدا وفوائد باهظة.

- المنظمة العالمية للتجارة التي أنشئت في العام 1995م وتخضع الدول المنضمة إليها لشروطها غير العادلة التي توسع الهوة بين الفقراء والأغنياء وتؤمرك العالم.

- وسائل الإعلام: المختلفة وأهمها: الانترنت والفضائيات.



الموقف من العولمة



العولمة هي صيغة من صيغ المواجهة الحضارية موجهة من الغرب بزعامة أميركا ضد شعوب العالم والأمم بغرض السيطرة، وبذلك فهي تتعارض مع قواعد القانون الدولي ومع السيادة الوطنية، وتضرب الهوية الثقافية والحضارية.

إن العالم اليوم محكوم بقوة واحدة مهيمنة على الاقتصاد والسياسة والثقافة هي أميركا ضد العالم الضعيف المحتاج المستهلك، هذه القوة تستعمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية لتتحكم في اقتصاد العالم. فالدول الفقيرة باستمرار مدينة وعليها تنفيذ أوامر الدائن.

إن العولمة هي محاولة لصبغ العالم بآراء واحدة، تفتت الخصوصية والهوية لكل بلد فهي تريد أن تفرض على العالم كله قيما وثقافات وأخلاقيات تتعارض مع خصوصيات كل أمة ودينها وثقافتها.

صحيح أن العولمة تيار جارف لانملك الا السير معه ولكن تبقى للشعوب خياراتها ووسائلها وحيلها، وعلينا الأخذ بايجابيات العولمة والتصدي لسلبياتها باعتماد الآليات التالية:



اقتصاديا

1- إنشاء التكتلات الاقتصادية لمواجهة مد التكتلات الكبرى كإنشاء سوق إسلامية أو إسلامية عربية مشتركة.

2- وضع ضوابط تشريعية لاستثمار رؤوس الأموال الأجنبية وجعل إرادة الدولة ومصلحة الشعب فوق العولمة وتطويعها كما يطوعها الكيان الصهيوني لمصلحته داخل إسرائيل وخارجها.

3- وباستطاعة الشعوب استعمال سلاح المقاطعة الذي أثبت فاعلية وتشجيع البضاعة المحلية.



اعلاميا

خلق مواقع الكترونية وفضائية لبث الأفكار السليمة وتحصين الأجيال من المضلَّلِين والمضلِّلين.

لقد استفادت الشعوب المستضعفة من المشروع الغربي في تخفيف الظلم عنها وفي تحقيق قدر من المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي وإن كانت مؤسسات مشوهة ظاهرها ديمقراطي وباطنها مشوه إلا أن مالا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه.

عفاف الجمري
1998

No comments: