Thursday, January 8, 2009

تعدد الزوجات من الطرائف ذات الدلالات العميقة التي نقرأها يومياً في الصحف قصة تلك المرأة السعودية التي انتقمت من زوجها الخائن بذكاء مشروع ! فقد فاجأها بعد أن قضت معه نصف سني عمرها كزوجة مشاركة له في السراء و الضراء و المال و البنين مادياً و معنوياً و في بناء بيت العمر، فلة على أحسن طراز ، فاجأها بعروس جديدة و ضعها في الطابق العلوي من الفلة!! تمالكت أعصابها و لم تبدِ أي رد فعل و أوهمته بالهدوء و البرود حتى تحقق مأربها فطلبت منه أن يعطيها حقها في البيت ، فيكتب نصفه باسمها ففعل ، و ما أن أتم ذلك حتى رفعت عليه قضية طالبة الطلاق ، تدخل الوسطاء لثنيها و لكن جهودهم لم تجدِ، و تم الطلاق ، و ما أن أتمت العدة حتى تزوجت رجلاً آخر أسكنته معها في الطابق السفلي لتذيق لزوجها السابق ما أذاقها و بطريق مشروع مباح لا غبار عليه كما فعل هو تماماً و لكن مالبث الحال كذلك لأكثر من شهر حتى وصل زوجها السابق لمستشفى الأمراض العقليةهذه القصة لها دلالات عميقة و أشهد بأنها أثلجت قلوب معظم المتزوجات، و لو عرفن اسمها لما استبعد حملهن صورها و تحويلها لرمز أيضاً !! إن موضوع تعدد الزوجات أثار كثيراً من الجدل و اللغط في العصر الحديث سواءً من ناحية التشريع أو التطبيق بل يكاد يكون أول سؤال تطرحه أي امرأة تريد الدخول في الإسلام أو أن تتعرف عليه ، ففي إحدى حلقات برنامج أصدقاء العرب الذي تبثه قناة الجزيرة تشرح الضيفة الغربية المسيحية المتزوجة من فلسطيني مسلم انطباعاتها الأولى عن المجتمع العربي المسلم و ما أعجبها فيه و تروي كيف أنها بعد أن استقر بها الحال في سوريا، جاءها الجيران و عرضوا عليها الإسلام فأبدت إعجابها بالشرق و لكن لديها سؤال واحد فقط يستوقفها عن الدخول في الإسلام و هو: ما هي مكانة المرأة فيه؟ و ما حقيقة الأحكام المتعلقة بها و خصوصاً تعدد الزوجات؟الكثير من الباحثين الإسلاميين يميلون للطرح التبريري للفقه الإسلامي ، و الفقه بطبيعة الحال هو ليس بالضرورة مطابقاً للمراد الإلهي من النص، و إنما هو اجتهاد بشري قابل للتطوير و التعديل باختلاف المجتهدين و اختلاف الأزمان و إن كان الطرح التبريري مطلوب و لكن الطرح النقدي الفاحص أيضاً مطلوب بغرض الترشيد و الوصول للأمثل فالأمثل في ضوء الضوابط الشرعية طبعاً ، و لم تحظ قضية بالأخذ و الرد مثل قضية الفقه النسوي في الإسلام ، بين الإسلاميين و غير الإسلاميين ، و بين التقليديين و المجددين من الإسلاميين ، فهناك من فسر تعدد النساء بأنه حكم خاص بالأرامل منهن لأجل رعاية أيتامهن، و هناك من فسره بانه تدرج من الشارع نحو التحريم كما حدث في موضوع العبودية بتجفيف منابعها حتى انتهت و يستدل بأن التعدد قبل الإسلام كان بلا حد فجاء الإسلام و قيد التعدد بأربع ثم أوجب العدل في النفقة حيث ( فإن لم تستطيعوا أن تعدلوا فواحدة ) و أوضح أن العدالة القلبية مستحيلة ( و لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء لو حرصتم ) و على أساسها أوصى بمراعاة ضعيفة الحظ من المحبة القلبية بقوله ( فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) ، و بمدحه سبحانه للعلاقات الزوجية الأحادية و اعتباره لها من آياته العظيمة ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً و جعل بينكم مودةً و رحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) و اعتباره لها بأنها هي الطبيعية و حتى الأمثلة من العلاقات الزوجية المذكورة في القرآن الكريم هي كلها أحادية مثل آدم و حواء، زكريا و زوجته، و غيرها.. هذا كله جعل أصحاب هذا الرأي يرون بأنه سبحانه إنما أراد التدرج من التعدد الواسع جداً إلى الأضيق ( أربع ) ثم شيئاً فشيئاً حتى القضاء على الظاهرة كما فعل في موضوع العبودية، حيث جعل عتق الرقاب من أعظم الأعمال و مكفرات الذنوب حتى انتهت العبودية ولم يحرمها بشكل مباشر، في حين يرى آخرون بأن هذا الرأي مثالي جداً غير واقعي حيث أن الأزواج ليسوا جميعهم متكافئون و سعداء و عشاق و أحبة و ذلك يقتضي التعدد الذي هو أفضل من طلاق الأولى ، إضافة إلى وجود العوانس إلى آخره من المبررات ، و بغض النظر عن درجة الصحة و الأحقية في كل من الرأيين فإن هناك أمور لابد من الالتفات لها و وضعها في الحسبان لدى كل دارس:أهمها معايشة الواقع عند التنظير،وحساب السلبيات والإيجابيات ، والأخذ بروح النص في الحسبان كيلا يتم التحايل عليه و ينقلب عند التطبيق إلى عكسه.فمن الأمورالتي ينبغي الالتفات لها ووضعها في الحسبان ،هي:أولاً : صحيح أنه هناك نسبة كبيرة من العنوسة حيث أنه في البحرين وحدها حسب آخر إحصائية خمسون ألف عانس و في السعودية نصف مليون .. إلخ مما تم تناوله في بحث سابق ، و هناك زيجات كثيرة غير متكافئة أو سعيدة ، و لكن هناك أيضاً حالة طلاق كل يومين في البحرين ( بنسبة 45% حسب إحصائية 2001 ) والتي تعتبر السادسة عربياً في عدد حالات الطلاق حسب آخر إحصائية معلنة و الطلاق هذا له أسباب كثيرة منها بلا شك التطبيق غير المرشد لحكم التعدد و نسبة التعدد في البحرين في العام 81 كانت 32.2% أما المعلنة في العام 2001 فقد بلغت تقريباً 1.19% أما الغير معلنة من متعة و مسيار و علاقات محرمة فحدث ولا حرج فهي أكثر بكثير ، والنسبة المذكورة تبدو غير واقعية ولعل من أسباب ذلك لجوء الزوجة الأولى للطلاق أو اشتراط الزوجة الجديدة على الزوج بتطليق الأولى.ثانياً: لدي تساؤل لماذا لا يتم تضمين الأخلاق في الجانب الفقهي، بمعنى عدم النظر للأحكام الفقهية بمعزل عن المبادئ الأخلاقية التي أمر بها الشرع ، فإذا كانت هناك أخلاقيات في التجارة و البيع حتى ورد حرمة البيع على البيع ( و لا يبع أحدكم على بيع بعض ) فالبيع أصلاً حلال ( كما في تعدد الزوجات ) و لكن إذا تقاطع هذا الحكم مع حكم آخر وهو مراعاة الأخوة الإسلامية عندئذ يحرم هذا البيع، و كيف تكون هناك أخلاقيات حتى في الحرب ( و لا تقطعوا شجرة و لا تهدموا كنيسة ،و.. ) و في الخطبة حيث أن ( الخطبة على الخطبة حرام ) على رأي جمهور الفقهاء و منهم الخميني و السيد محمد حسين فضل الله فلا يجوز لمؤمن أن يخطب فتاة متقدم غيره لخطبتها في نفس الوقت كيلا يؤثر عليه، مع أن الخطبة في الأصل مباحة و لكن تقاطعها في هذه الحال مع الجانب الخلقي حرمها فالحديث يقول ( تخلّقوا بأخلاق الله ) و ( إنما بُعثت لأتتم مكارم الأخلاق ). فإذا كان الحال كذلك فلماذا لا تكون هناك أخلاقيات في التزام الزوج بعهده لزوجته و الزواج هو اقدس رابطة و أكثر ما اهتم به الشارع ففصّل فيه آيات طوال طوال و لم يفعل بشأنه ما فعل بموضوع الصلاة مثلاً و الزكاة و الصيام، حيث اكتفى بالأمر بهم في القرآن و التوضيح جعله على السنة، أما العلاقات الزوجية ففصّل فيها القرآن تفصيلاً كثيراً لأن الأسرة هي نواة المجتمع و أساسه، فإذا صلحت صلح المجتمع بأكمله. نعود فنقول لماذا لا يؤخذ الجانب الأخلاقي في هذا الأمر ؟ فالتعدد مباح و لكن إذا تقاطع مع الوجوب الأخلاقي بالالتزام بالعهد هل يبقى كذلك ؟ أليس سبحانه يقول ( و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً ) و أياً كان العهد هو بين الإنسان و ربه أم بين الإنسان و أخيه و أليس من صفات المنافق المذكورة في الحديث هي خيانة الوعد ( علامات المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب و إذا وعد أخلف و إذا أؤتمن خان ) أليس الإسلام دين الأخلاق و ( تخلّقوا باخلاق الله ) و الحديث يقول ( لا تحاسدوا و لا تباغضوا ولا يبع أحدكم على بيع بعض ) أليس التعدد هو من أكبر دواعي التحاسد و التباغض بين الإناث اللواتي هن أساس المجتمع و الحضون المربية ( الأم مدرسةٌ إذا أعددتها ) إن الشاب إذا تقدم لخطبة فتاة فإن الاتفاق الضمني بينهما في بداية الزواج هو أن يكون لها وحدها و لذلك تعطيه أفضل ما لديها معنوياً و مادياً و تضحي لأجله بكل شيء ، و لكنه عندما يغدر بها و يخون العهد معها فيتزوج غيرها تحاول سحب كل ما أعطته إياه وأنى لها ما ذهب من صحتها و شبابها و مالها، هذا غير أن القوانين لا تحميها ولاتنصفها والأعراف المجتمعية بعيدة كل البعد عن روح الإسلام.
ِلست ضد التعدد كخيار مطروح و لكن الكلام في ترشيد استعمالات هذا الخيار بمعنى عدم جعله يتعارض مع - لا أقول خيار – و لكن مع وجوب الالتزام بالأخلاق الإسلامية التي نص عليها الشارع في وجوب الالتزام بالعهد ، ليكن الرجل واضحاً مع من يريد تزوجها منذ البداية إن كان لها وحدها أم أنها ضمن مجموعة زوجات ( بما فيهن المتعة أو المسيار ) و كل واحدة تختار على حسب ظروفها فالتي ظروفها تجلب لها زواجاً أحادياً ترفض و التي ظروفها لا تجلب لها أفضل من ذلك تقبل و بذلك لا يكون هناك خيانة عهد ، أما أن يتزوج أفضل الموجود ثم يخدعها فذلك حتماً ليس من روح الإسلام، و رسول الله (ص) مارس الزواج الأحادي كما أنه مارس التعدد دون أن يقع في رذيلة الخيانة حيث كان واضحاً في كلتا الحالتين منذ البداية.. يسعدني أن أرى الزواج الأحادي السعيد ، كما يسعدني أن أرى الزواج المتعدد ( على طريقة الحاج متولي ) بشرط ألا يتضمن خيانة ، و قد رأيت واقعاً أحد رجال الدين خطب امرأة و قال لها في الخطبة أنه سيتزوج معها 3 نساء و هي حرة في الاختيار، فإن أمكن ممارسة التعدد دون الإخلال بوعد صريح أو ضمني قطعه الزوج لزوجته فشيء جيد و لكن أن يحول حكم من عامل بناء إلى عامل هدم لا مثيل له للأسر و نخلط الاوراق و نقول شرع الله سبحانه و تعالى فذلك خلط واضح بين ، فالشرع وضع خيارات هذا من ضمنها و وضع خطوط حمراء و التزامات منها الالتزام بالعهد الذي هو من أهم عناصر الأخلاق الإسلامية، إن عقد الزواج مثل بقية العقود من بيع و تجارة، بل أهمها و أقدسها ، مطلوب فيه كما فيها الوضوح منذ البداية، إن الطريقة الممارسة حالياً في التعدد حولته لأكبر عامل هدم للأسر، فالحكم الشرعي إذا لم يفهم مقصده و لم يرشد يُساء استغلاله مثل كل قانون لا توضع له ضوابط ، فالقانون لا يحمي نفسه حيث يتم التحايل عليه ، و لذلك فإنه من الضرورة الاهتمام بمقاصد الشريعة او كما يسميه بعض العلماء مثل السيد محمد تقي المدرسي و الدكتور محمد الزحيلي والشيخ حميد المبارك وغيرهم بالفقه المقاصدي ، و إلا تحولت الكثير من الأحكام إلى ضدها ، فالصلاة في حد ذاتها تربية للروح و لكن أن يعكف شخص على الصلاة و يترك كل أمور الدنيا يحولها لعامل هدم ، إننا نجد بأن كثيرا من الرجال تحولوا لحيوانات تسعى لإرضاء شهوتها فقط بدون أدنى توقف حتى وقعوا في الحرام و المرأة يبرر التزوج عليها بأتفه الأسباب في حين لا يبرر طلاق المرأة لزوجها إلا للمعضلات ، نعم نرى أسراً مهدمة بلا عدد بسبب هذا الأمر بل أن الرجل بعد أن يخون زوجته و تطلب الطلاق عتد الصدمة يطلب منها تعويضاً مادياً خيالياً مع أنه سبحانه و تعالى يقول ( و لا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) النساء: 19و حتى في حال أراد الزوج طلاق زوجته لأجل زوجة جديدة و هو ما يحدث بكثرة ،أليس من الأخلاق في حال ميل قلبه لغيرها هو إما أن يبقيها و يسترضيها بما تشاء بعد الإذن منها طبعاً أو يطلقها مع تعويض يمنحها إياه عن كل ما أحدثه لها من ضرر؟ أليست هذه هي الأخلاق الإسلامية؟ و الله سبحانه و تعالى يقول ( و إن أردتم استبدال زوج مكان زوج و آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه بهتاناً و إثماً مبينا ) النساء: 20 ، و هذا كله خلاف الواقع، إن من الفقهاء الذين يستشعرون مآسي النساء وهوآية الله الشيخ يوسف صانعي قد أفتى بكراهة الزواج الثاني (وقبله الشيخ الطوسي ) و بعدم جوازه إلا بعد أخذ الإذن من الأولى،وقد ضمن هذا الحكم في قانون الأحوال في كل من إيران ومصر ، و بعض الفقهاء أفتى بأنه في حال الطلاق بعد عمر طويل قضاه الزوج مع زوجته كون خلاله مستقبله المادي فإن لها نصف ما يملك الزوج من منزل و مال ، وقد ضمن هذا الحكم أيضا في قانون الأحوال الإيراني ، وهكذا نرى بأن النظر للنصوص الشرعية بتمعن و بالأخذ في الاعتبار بمقاصد الشريعة يحميها من الانقلاب لعكس مرادها و يعطينا فهما فقهيا يكون قاعدة لحياة لا حيف فيها ولا ظلم فسبحانه جميل لايمكن أن يصدر منه غير الجميل .عفاف الجمري

No comments: