Tuesday, July 14, 2009

فزاعة) ولاية الفقيه.. مرة أخرى
عفاف الجمري

وإن كنت أعلم سلفاً أن إثارة موضوع ولاية الفقيه بالشكل الذي تم في الآونة الأخيرة إنما كان لأغراض سياسية بحتة وليست دينية، بغرض صرف الانتباه الشعبي عن الملفات الساخنة التي هي بصدد أن تطرح من قبل المعارضة والمتمثلة في: التمييز واستجواب عطية الله والتجنيس، ولكن لا بأس من الكتابة في هذا الموضوع ليس بغرض الدفاع أو الهجوم، ولكن للتوضيح وإعطاء فكرة مبسطة للإخوة القرّاء سنة وشيعة الذين يضيق وقتهم عن البحث وليفتح لديهم شهية البحث بغية التلاقح الفكري الصحي، وليسددوني إن لحظوا تقصيراً، والموضوع بشكل أشمل من المطروح هو: أصول الحكم في الإسلام، فكما نعلم أن الإسلام دين شامل لكل مناحي الحياة وفيه أسس ثابتة لا تتبدل بمر الزمن ووردت نصاً كالعبادات مثلاً، ولكن هناك مناطق فراغ تشريعي لم يرد فيها نص محدد تركت للمختصين أن يملؤوا فراغها بما يتلاءم مع كل عصر ولا يتناقض مع المبادئ الإسلامية الثابتة ومن هذه «نظرية الحكم»، فمن يحكم؟ وما أسس اختياره؟ وكيف يحكم؟ أجاب على ذلك فقهاء الفريقين على مر الزمن منذ وفاة الرسول (ص) بإجابات مختلفة وظهرت نظريات عدة، فمما ذهب له فقهاء السنة:
.1 اختيار أهل الحل والعقد: وممن تبنى هذه النظرية القاضي أبوبكر الباقلاني، والأيجي وعبدالقاهر البغدادي الذي يقول في كتابه «أصول الدين» ص: 280 «إن الإمامة تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الاجتهاد والورع، إذا عقدها لمن يصلح لها، فإذا فعل، وجب على الباقين طاعته» ومنهم من ذهب إلى أنها تنعقد بخمسة كما في بيعة الخليفة أبي بكر أو ستة كما فعل الخليفة عمر.
.2 العهد من الإمام السابق: كما ذهب إلى ذلك الماوردي في «الأحكام السلطانية»، والباقلاني، وأبوالحسن الأشعري.
.3 الاستيلاء (ويسمى أيضاً «فقه الغلبة»): كما ذهب، إلى ذلك القلقشندي، وأبوحامد الغزالي في كتابه «الاقتصاد».
هذا بإيجاز عند الفقهاء السنة على اعتبار أن الرسول (ص) لم يعين خليفة بعده، فعلى الأمة أن تجتهد بطرق لاختيار الخليفة.
أما بالنسبة إلى الشيعة الإمامية فهم يرون أن الخليفة قد تم النص عليه من قبل الرسول (ص) وهو الإمام علي ومن بعده ولده الأحد عشر، واحداً بعد واحد حتى الإمام المهدي الذي غاب غيبة كبرى يخرج حين يأذن الله كما المسيح (ع) والخضر (ع)، وعلى ذلك فإن الاجتهاد لديهم يبدأ بعد الغيبة الكبرى وليس بعد وفاة الرسول (ص)، وقد كانت لديهم نظريات أيضاً في هذا الشأن، ولكنها جاءت في عصور متأخرة نسبياً، حيث كانوا يستشكلون قديماً على مسألة تولي الحكم، حيث يرون أن الإمام الغائب هو الخليفة الشرعي، وأن الفقهاء ينيبونه في كل مهماته التبليغية وما يتعلق بحفظ العقيدة والشريعة وإدارة أمور الطائفة الشيعية فيما يتعلق بالخمس والقضاء من دون الوصول إلى مسألة تسلّم الحكم لأن فيها إسالة للدماء ولا ولاية لهم على الدماء إلى أن جاء فقهاء متأخرون توصلوا لنظريات في الحكم، مثل:
.1 نظرية آية الله محمد حسين النائيني (1273هـ - 1355هـ): يرى أن رأس السلطة يجب أن ينتخب بالاقتراع المباشر أو غير المباشر من قبل المجالس المنتخبة التي تراقبه وتمنع تفرده واستبداده، كما ينادي النائيني في كتابه «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» بضرورة وجود الدستور الذي عبر عنه بأنه «أعلى القوانين، وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد، وأنه يحدد صلاحيات الحاكم ويعرف حقوق الشعب وحرياته»، وذهب إلى وجوب مقاومة الحاكم المستبد، كما دعا إلى ولاية الأمة على نفسها، وعدم حصر الرقابة والمحاسبة في الفقهاء، بل من خلال النواب المنتخبين في مجلس الأمة، وأن السلطة والممارسة السياسية هما شأن عام لجميع أفراد المجتمع وليستا حصراً على الفقهاء، وأن المواطنة هي القاعدة التي تقوم عليها الحقوق لأفراد المجتمع وليس الدين، ولذلك فإن الذميين ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، بل الأولى.
.2 نظرية ولاية الفقيه: أول من نادى بهذه النظرية هو الشيخ أحمد النراقي المتوفى سنة 1245 هـ، ونادى بها أيضاً أحد فقهاء السنة وهو عبدالملك الجويني المتوفى سنة 478 هـ، ثم نادى بها الإمام الخميني وطبقها بعد نجاح الثورة في إيران العام ,1979 وهو يرى أن للفقيه (النائب العام للإمام الغائب) جميع صلاحيات الإمام المنصوص عليه الذي له جميع صلاحيات الرسول ماعدا التشريع طبعاً، فصلاحياته تبليغية وأن يتسلّم الحكم وله ولاية عامة على الناس وطاعته واجبة عليهم. بيد أنه عملياً لم يتصد للحكم بشكل مباشر، بل كان مراقباً للحاكم المنتخب من قبل الشعب بحسب مواصفات حددها الدستور الذي تمت صياغته، كما أسس مجلساً للخبراء من الفقهاء المعاونين له على تشخيص الأمور، وعلى أساس الدستور تمت إدارة البلد بمؤسسات منتخبة. وبحسب هذه النظرية، فإن ولاية الولي الفقيه واجبة على كل المسلمين في كل الأقطار، أما كيف يحكم الأقطار الأخرى؟ فإنه بحسب النظرية يجب أن يعين له نائباً لكل قطر يتم الإعلان عنه رسمياً، ويوثق ذلك بكل الوسائل الكتابية وغيرها وليس بشكل سري لكيلا يدعي شخص ما النيابة بلا دليل. تطبيقاً على ذلك، فإنه واقعاً لا يوجد حالياً نائب للولي الفقيه خارج إيران إلا السيد حسن نصر الله. وقد يتساءل القارئ إذاً لماذا هذه الزوبعة في البحرين بين الحين والآخر؟ نقول إن أي سياسي فطن يعلم أن بث هذه الفزاعات التي لا أساس لها بين الحين والآخر ليس إلا لتخويف السنة من الشيعة كيلا يتحدوا ويطالبوا بحقوقهم المشروعة كما حدث في الخمسينات من القرن الماضي وفي بداية التسعينات، فولاية الفقيه ما هي إلا إحدى النظريات لدى الفقهاء الشيعة وغير ملزمة ولم يجمع عليها فقهاء الشيعة لا السابقون ولا الحاليون، وأن شيعة البحرين بحركتهم سواء في التسعينات أم حالياً إنما هم أقرب ما يكونون لنظرية المرحوم النائيني، فحركتهم حقوقية وطنية شيعية سنية، أما المفارقة فإنه إذا كان مجرد وجود كيان سياسي شيعي يؤمن بها ويطبقها مدعاة للاتهام فإن زعيم تنظيم القاعدة بن لادن أيضاً يطبقها سواء أسماها ولاية أم لا، فهو يعين وكلاء باستمرار من مثل الزرقاوي سابقاً ومن خلفه لاحقاً، ويبث لهم أوامر متلفزة ليست سرية ونسمع عن اعتقال أشخاص من الداخل بين الحين والآخر، بتهم صحت أم لم تصح، فهل هذا مبرر لإحداث الشرخ في اللحمة الوطنية؟ ومن المستفيد؟ عشنا أحبة زمناً طويلاً، ويسعى الآن المتلبسون لتفتيتنا بوسائل لا تخدع عاقلاً.
تعقيباً على (التشكيلات السنية)
عفاف الجمري

تابعت تحقيق الصحافي غسان الشهابي في صحيفة ‘’الوقت’’ بشأن التشكيلات السنية في البحرين والذي تم تسليط الضوء فيه على الحاجة لتكوين مرجعية للطائفة السنية في البحرين، وأسباب تأخر هذا الأمر ودواعيه ومقارنة الأمر بالطائفة الشيعية ودراسة أسباب تنظيمها، فأحببت أن أضيـــف بعض اللمساــت حيث خلا التحقــــق ممن يمثل الجـــانب الشيعي:
أولاً: أضم صوتي لأصواتهم بشأن ضرورة التنظيم على أن يكون هدفه من باب تنسيق الخلايا الصغيرة من الداخل لتتسق في المحيط الأكبر نحو هدف واحد هو خدمة الوطن، وأن تتلاحم الطائفتان على هذا الهدف، لا أن يكون التنسيق في بيوتها الداخلية لتتوجه ضد بعضها، فذلك دمار للوطن يعم للطائفتين معاً، فكل طائفة تنظم بيتها الداخلي وتهتم بخصوصياتها وتشترك مع الطائفة الأخرى في معالجة الأمور المشتركة. أما أسباب التلاحم بين العلماء الشيعة وقواعدهم فهي كثيرة، بعضها تاريخي تراثي وبعضها واقعي معاصر، وأهمها حسبما أعتقد:
أولا: قضية الأمام الحسين (ع) وارتباط الشيعة بها أعطاهم مدداً لا نهاية له من المزايا على مر التاريخ، وقد أبلغ آية الله الخميني في التعبير عندما قال ‘’كل ما لدنيا هو من عاشوراء’’. فكون الإمام الحسين (ع) هو ابن بنت رسول الله (ص) وقد ورد ما لا يحصى في فضله في تراث الطائفتين وهو بهذا الوصف قد قام بثورة لا تهدف للنصر المادي بل السياسي التاريخي وقد حدث، هذه القضية أصبحت عنواناً للشيعة على مر الزمان يعرف الطفل منهم أدق تفاصيلها منذ نعومة أظفاره، ويتم استخلاص دروس لا متناهية منها في كل مناحي الحياة، وكل شخصية فيها تتخذ رمزاً بحيث أن الواحد منهم من صغره حتى مماته ما يتعرض لأمر إلا ويعود لهذه المرجعية، ففي حقوق الطفل يرجع لأطفال عاشوراء، وفي حقوق المرأة لنساء عاشوراء وفي أدب الثورة والثوار يرجع للإمام للحسين (ع) وأنصاره وهلم جرا، والمد العاطفي لهذ القضية لا حد له حتى قال الخطيب المشهور الملا عطية الجمري ‘’كل المصائب هونتها مصيبة الحسين’’ فصاحب كل مصيبة يتسلى بمصيبة رسول الله (ص) في حفيده، ويستحضر تفاصيل الحادثة ويأخذ منها دروساً، وهذا التفجع الشديد الذي تحدثه هذه القضية يعطي اندفاعاً لا حدود له في كل قضية تحمل الملابسات والرمزية والأهداف نفسها، كما ويجعلهم غير مستعدين للتنازل عن إقامة شعائر عاشوراء حتى لو أبيدوا أجمعين.
ثانيا: كثرة الأحاديث التي وردت في تراثهم التي تحث على نبذ الظلم وعدم الركون للظالمين ومحاربة السلطان الظالم وأن ‘’الساكت عن الحق شيطان أخرس’’ و’’ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر’’.
ثالثا: التأكيد عندهم على ضرورة استقلال المرجعية العلمائية عن السلطة مهما كلّف الأمر، والاستقلال هذا يكون في القرار ويشمل الاستقلال المادي، فيعتمدون على تسيير أمورهم بنظام ‘’الخمس’’ ويستقلون في تعيين أئمة المساجد وفي الخطب وفي القضاء، ومن انحرف عن هذا المسار تاريخياً تعرض للمقاطعة الشعبية، وبذلك بقيت المرجعية العلمائية في الغالب بعيدة عن الألاعيب السياسية، بل إنه حتى عندما قام النظام الإسلامي الشيعي في إيران فإن المرجعية بقيت منفصلة عن السلطة حتى لو كان السلطويون هم رجال دين أيضاً، فإن هناك مرجعية علمائية منفصلة عنهم تشرف عليهم وقد تتفق أو تختلف معهم.
رابعا: قادتهم كثيراً (ولا أقول دائماً) كثيراً ما كانوا معهم في السراء والضراء، فإن كانت هناك ثورة أو حرب فأولاد هؤلاء العلماء مقدمون يقتلون ويسجنون، بل هؤلاء العلماء كثيراً ما دفعوا دماءهم ثمناً، أما من لا يسير في هذا الخط من العلماء فإن القاعدة تعتبره منحرفاً وتسميه ‘’عالم بلاط’’ ويصطلح عليه بـ ‘’شريح القاضي ‘’ نسبة لصاحب هذا الاسم من علماء زمانه الذي أفتى بجواز سفك دم الإمام الحسين (ع) فأصبح يرمز به لكل من هو على شاكلته.
خامسا: أما أهم عامل من الواقع هو أن الشيعة في معظم الأزمان والأماكن يمثلون الطائفة/ المجوعة المستضعفة ولذلك فإن استنهاضهم وجمعهم سهل جداً وأشبه حالاً بهم هم الفلسطينيون، فهم يمثلون الحالة الشيعية بكل تفاصيلها، ولذلك يسهل جمع الفلسطينيين كما الشيعة لأية تظاهرة بكل بساطة بالمئات والآلاف ولو أشبعوا وانتفت حاجاتهم لقلت استجابتهم بدرجة كبيرة، لأن عامل الجوع يحرك أكثر من عامل الواجب والواقع يثبت ذلك، فالبلدان التي يعاني منها المسلمون سواء سنة أو شيعة مثل مصر وفلسطين وغيرهما من الجوع تكون تجمعاتهم كبيرة جداً بعكس الأماكن المشبعة المترفة سواءً من سنة أو شيعة أيضاً.
هذه بعض الملاحظات التي وددت أن أضمها لتحقيق الصحافي غسان، وإن كنت أكره الخوض فيما يشم منه الرائحة الطائفية، اللهم إلا إذا كان بغرض الاستفادة من الطرفين لأهداف سامية، وقد كتبت مسودة هذا العمود قبل أن يخرج علينا صلاح البندر بتقريره الذي أعتقد بأنه لو بقي المسؤولون يعالجون الأمر بالطريقة الحالية من إنكار غير مدعم بأدلة كما فعل هو، وبخطوات جزئية للتبريد وبتقرير مضاد بأسماء مزيفة من دون تشكيل لجنة ودونما خطوات عملية تمثل عكس ما ورد فيه خصوصاً وأنه يطابق أموراً كثيراً تجري فعلياً ويستند لأدلة مادية ووثائق، أقول لو تم التجاهل والاستخفاف بعقول الجمهور فإننا لا ندري إلى أين يذهب البلد، فهل من يقظة؟

تعليقات الزوار
1 باقر الجزيري -الاحساء
مقال جميل والاجمل انك تنوه بالبعد عن الطائفية في بدايته ونهايته وفقك الله ولكني اعتقد انك نسيتي شيئين مهمين الاول صفاء النية ووضوح الرؤى والاهداف ومشروعيتها والثاني العناية الاهية المتمثلة بوجود صاحب الامر عجل الله تعالى فرجه
الوطن أم الطائفة ؟
عفاف الجمري

جاء في الأثر أن أحدهم سأل رسول الله (ص) بما معناه أن: هل حبه لقومه من العصبية (حيث نهى عنها) فقال له: لا ولكن إعانته لهم على الظلم من العصبية. وقد ورد في الدعاء (اللهم أعزني في عشيرتي وقومي)
حيث أن العشيرة والقوم إذا أعزوا المنتمي إليها عز، وإذا لم يعزوه فلا معز له ولا حامي إلا الله كالطفل اليتيم الذي لا مؤوي له، وقد وضع العالم الغربي ماسلو- والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها - نظرية عدد بها الاحتياجات الإنسانية الأساسية ورسمها في هرم بشكل متدرج، بدأ بحاجة الأكل والشرب والمسكن والملبس ثم الأمن ثم حاجة الانتماء لجماعة بعدها تقدير الذات ثم تحقيقها، المستوى الثالث من الاحتياجات والذي يأتي في الأهمية بعد الأكل والشرب والأمن وهو حاجة الانتماء لجماعة أيا كانت.
فهي حاجة غريزية للإنسان والمخلوقات عموما، فما صحت الوحدة إلا لله سبحانه، الإنسان بحاجة لجماعة ينتمي إليها بينه وبينها مشتركات، وهذه الجماعة كلما كانت كبيرة جامعة تحت مظلتها جماعات متفرعة كلما قويت وحققت الأمن والعكس إذا كانت صغيرة ومتضاربة مع جماعات أخرى فإنها تؤدي إلى انعدام حاجة أساسية أهم من الانتماء ألا وهي الأمن ولا أجدى وارشد من الانتماء للوطن الذي وإن كان فيه تنازل عن بعض الخصوصيات المذهبية، ولكن الانتماء الحقيقي لمظلته يحقق الأمن الاجتماعي الذي هو أهم من الانتماء الضيق، ولكن من يفكر برشد في عالمنا؟ لا الحكومات ولا الشعوب، وكل يرمي الآخر بصفة الطائفية، والكل متلبس بها بل والوزر الأكبر يقع على الحكومات لأنها هي صاحبة القرار والممسكة بزمام الأمور، إن العراق بعد أن كان أنموذجا للتمازج الشعبي وقع في الفخ الطائفي الذي أوصله إلى أنهر من الدماء لن تجف إلى أن تأتي مبادرات عقلائية وطنية - لا أجنبية -بمشروع وطني غير طائفي، أما المدخل لانجرافهم لهذا الدمار فهو ابتلاعهم لطعم (المحاصصة الطائفية) و(التقسيم الفدرالي) بدلا من توزيع المناصب الحكومية على أساس الكفاءة والنزاهة، وسيادة القانون على الجميع من دون استثناء، والمساواة على أساس الوطنية والانتماء للوطن بغض النظر عن المذهب والعرق، وإذا كان هذا هو حال العراق وقد آل إلى دمار فما بالنا في البحرين لا نرى ونتعظ؟، إن ما يجري في البحرين يسير تدريجيا على نفس النسق، وليس هذا منطق الضعيف فلا ضعيف في المعادلة بتاتا فالقوة تأتي بأشكال متعددة، ولكن ما فائدة القوة التي لا تحقق إنسانية الإنسان وتعمر البلدان؟ إن البحرين تنتهج ضمناً مبدأ المحاصصة سواءً في توزيع الوزارات أو المناصب الحكومية أو الوظائف والبعثات الدراسية، وإن اعتبر هذا نجن، فإن توزيع الدوائر الانتخابية لا هدف منه إلا المحاصصة وكذا توزيع الكراسي الشورية، وما يجري حالياً في المجلس النيابي الجديد، فالألاعيب الخفية التي سبقت الوصول إليه من كل الأطراف ليست إلا لنيل أكبر قدر من الغنائم لكل طائفة بل وعرق، وكل يستنجد بحلفائه ومصادر قوته لتحقيق غرضه، ويبدو وكأن هناك عرفاً نيابياً يراد له أن يرسو في توزيع المناصب الرئيسة، وبعد ذلك تبدأ المعارك التي تدار من هذا المنطلق على أساس حاجات الطوائف والأعراق لا حاجات الوطن والمواطن، نعم الجميع ينتمي إما لطائفة أو عرق معين ولا ضير في ذلك بل لابد منه، ولكن ألا يمكن أن يضاف إليه انتماء أوسع وأهم وأكبر لا يتعارض معه وهو المواطنة؟ صحيح أن هذا الانتماء لا يأتي بسهولة وليس بالشعارات، فالفرد يحتاج لأن يشعر أن هذا الوطن يلبي حاجاته ويحميه ولا يعتدي عليه، ليطمئن إليه ويستبدل انتماءه الأضيق بالأوسع، بل ولا يضطر عند الضيق للجوء للخارج، كما يحدث في التجارب المماثلة والتي لا تؤدي إلا إلى المزيد والمزيد من الدمار، إن ما يدمي له القلب أنه بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول سعت السياسة الأميركية لهذا النهج الجديد بتأليب الشيعة والسنة على بعضهم، بأيدٍ خفية أحياناً وظاهرة أخرى، في كل مكان، لتضمن أمانها هي وسيادتها كما فعلت في العراق، وحاولت ولم تنجح في لبنان، وسخرت الأقلام والمحسوبين عليها إعلامياً في المحطات الفضائية وغيرها لتخوف السنة والشيعة من بعضهم، وللأسف نجحت وقد سقط في الفخ مفكرون كبار، وراح الساسة والمفكرون يصطفون طائفياً بل ويعتبرونها رسالة يسافرون لأجلها من بلد إلى بلد، فوجدناهم في الانتخابات البحرينية يحلون ضيوفاً للقيام بوظيفة التحريض على الاصطفاف الطائفي، وهذا الكلام والاتهام لأميركا ليس تحليلاً بل جاء فعلاً في صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 6/8/,2002 حيث نشرت التقرير الذي أعده مركز (راند) بواشنطن بالتعاون مع القوات الجوية الأميركية بعنوان (الولايات المتحدة والعالم الإسلامي) والذي تحدث عن الانقسامات في العالم الإسلامي بين السنة والشيعة مطالبا الإدارة الأميركية باستغلالها لينشأ لأميركا وضع مستقر في الشرق الأوسط.
في هذا الخضم وإن لم يكن أحدٌ خلوٌ من هذا الوزر - الطائفية - إلا أن الوزر الأكبر والمسؤولية الكبرى تقع على عائق الحكومة التي أسست لهذا الوضع ومازالت تقوده والتقرير المشهور خير شاهد على ذلك، وأخيرا لا نملك إلا أن نردد (أليس منكم رجل رشيد) هود (78جاء في الأثر أن أحدهم سأل رسول الله (ص) بما معناه أن: هل حبه لقومه من العصبية (حيث نهى عنها) فقال له: لا ولكن إعانته لهم على الظلم من العصبية. وقد ورد في الدعاء (اللهم أعزني في عشيرتي وقومي)
حيث أن العشيرة والقوم إذا أعزوا المنتمي إليها عز، وإذا لم يعزوه فلا معز له ولا حامي إلا الله كالطفل اليتيم الذي لا مؤوي له، وقد وضع العالم الغربي ماسلو- والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها - نظرية عدد بها الاحتياجات الإنسانية الأساسية ورسمها في هرم بشكل متدرج، بدأ بحاجة الأكل والشرب والمسكن والملبس ثم الأمن ثم حاجة الانتماء لجماعة بعدها تقدير الذات ثم تحقيقها، المستوى الثالث من الاحتياجات والذي يأتي في الأهمية بعد الأكل والشرب والأمن وهو حاجة الانتماء لجماعة أيا كانت.
فهي حاجة غريزية للإنسان والمخلوقات عموما، فما صحت الوحدة إلا لله سبحانه، الإنسان بحاجة لجماعة ينتمي إليها بينه وبينها مشتركات، وهذه الجماعة كلما كانت كبيرة جامعة تحت مظلتها جماعات متفرعة كلما قويت وحققت الأمن والعكس إذا كانت صغيرة ومتضاربة مع جماعات أخرى فإنها تؤدي إلى انعدام حاجة أساسية أهم من الانتماء ألا وهي الأمن ولا أجدى وارشد من الانتماء للوطن الذي وإن كان فيه تنازل عن بعض الخصوصيات المذهبية، ولكن الانتماء الحقيقي لمظلته يحقق الأمن الاجتماعي الذي هو أهم من الانتماء الضيق، ولكن من يفكر برشد في عالمنا؟ لا الحكومات ولا الشعوب، وكل يرمي الآخر بصفة الطائفية، والكل متلبس بها بل والوزر الأكبر يقع على الحكومات لأنها هي صاحبة القرار والممسكة بزمام الأمور، إن العراق بعد أن كان أنموذجا للتمازج الشعبي وقع في الفخ الطائفي الذي أوصله إلى أنهر من الدماء لن تجف إلى أن تأتي مبادرات عقلائية وطنية - لا أجنبية -بمشروع وطني غير طائفي، أما المدخل لانجرافهم لهذا الدمار فهو ابتلاعهم لطعم (المحاصصة الطائفية) و(التقسيم الفدرالي) بدلا من توزيع المناصب الحكومية على أساس الكفاءة والنزاهة، وسيادة القانون على الجميع من دون استثناء، والمساواة على أساس الوطنية والانتماء للوطن بغض النظر عن المذهب والعرق، وإذا كان هذا هو حال العراق وقد آل إلى دمار فما بالنا في البحرين لا نرى ونتعظ؟، إن ما يجري في البحرين يسير تدريجيا على نفس النسق، وليس هذا منطق الضعيف فلا ضعيف في المعادلة بتاتا فالقوة تأتي بأشكال متعددة، ولكن ما فائدة القوة التي لا تحقق إنسانية الإنسان وتعمر البلدان؟ إن البحرين تنتهج ضمناً مبدأ المحاصصة سواءً في توزيع الوزارات أو المناصب الحكومية أو الوظائف والبعثات الدراسية، وإن اعتبر هذا نجن، فإن توزيع الدوائر الانتخابية لا هدف منه إلا المحاصصة وكذا توزيع الكراسي الشورية، وما يجري حالياً في المجلس النيابي الجديد، فالألاعيب الخفية التي سبقت الوصول إليه من كل الأطراف ليست إلا لنيل أكبر قدر من الغنائم لكل طائفة بل وعرق، وكل يستنجد بحلفائه ومصادر قوته لتحقيق غرضه، ويبدو وكأن هناك عرفاً نيابياً يراد له أن يرسو في توزيع المناصب الرئيسة، وبعد ذلك تبدأ المعارك التي تدار من هذا المنطلق على أساس حاجات الطوائف والأعراق لا حاجات الوطن والمواطن، نعم الجميع ينتمي إما لطائفة أو عرق معين ولا ضير في ذلك بل لابد منه، ولكن ألا يمكن أن يضاف إليه انتماء أوسع وأهم وأكبر لا يتعارض معه وهو المواطنة؟ صحيح أن هذا الانتماء لا يأتي بسهولة وليس بالشعارات، فالفرد يحتاج لأن يشعر أن هذا الوطن يلبي حاجاته ويحميه ولا يعتدي عليه، ليطمئن إليه ويستبدل انتماءه الأضيق بالأوسع، بل ولا يضطر عند الضيق للجوء للخارج، كما يحدث في التجارب المماثلة والتي لا تؤدي إلا إلى المزيد والمزيد من الدمار، إن ما يدمي له القلب أنه بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول سعت السياسة الأميركية لهذا النهج الجديد بتأليب الشيعة والسنة على بعضهم، بأيدٍ خفية أحياناً وظاهرة أخرى، في كل مكان، لتضمن أمانها هي وسيادتها كما فعلت في العراق، وحاولت ولم تنجح في لبنان، وسخرت الأقلام والمحسوبين عليها إعلامياً في المحطات الفضائية وغيرها لتخوف السنة والشيعة من بعضهم، وللأسف نجحت وقد سقط في الفخ مفكرون كبار، وراح الساسة والمفكرون يصطفون طائفياً بل ويعتبرونها رسالة يسافرون لأجلها من بلد إلى بلد، فوجدناهم في الانتخابات البحرينية يحلون ضيوفاً للقيام بوظيفة التحريض على الاصطفاف الطائفي، وهذا الكلام والاتهام لأميركا ليس تحليلاً بل جاء فعلاً في صحيفة واشنطن بوست بتاريخ 6/8/,2002 حيث نشرت التقرير الذي أعده مركز (راند) بواشنطن بالتعاون مع القوات الجوية الأميركية بعنوان (الولايات المتحدة والعالم الإسلامي) والذي تحدث عن الانقسامات في العالم الإسلامي بين السنة والشيعة مطالبا الإدارة الأميركية باستغلالها لينشأ لأميركا وضع مستقر في الشرق الأوسط.
في هذا الخضم وإن لم يكن أحدٌ خلوٌ من هذا الوزر - الطائفية - إلا أن الوزر الأكبر والمسؤولية الكبرى تقع على عائق الحكومة التي أسست لهذا الوضع ومازالت تقوده والتقرير المشهور خير شاهد على ذلك، وأخيرا لا نملك إلا أن نردد (أليس منكم رجل رشيد) هود (78
تعليقات الزوار
1 السيد مرتضى الحسيني -العراق البصرة
بسم الله الرحمان الرحيم اشكرك اختي على هذا الكلام والمقال الجميل وبارك الله فيكي واتمنى لكي الابداع والتجدد ولكي فائق التقدير والاحترام
هل نتخطى الشعار للمصداق
عفاف الجمري

الدعوة التي دشنتها جمعية الصحافيين البحرينية بحملة (صحافيون ضد الطائفية)، لتمثل الحد الأدنى والأساس في ذات الوقت لمبدأ التعايش السلمي والتمازج بين الطائفتين الكريمتين. فهي الحد الأدنى على أساس أنها تثبت مرجعية مبدئية مشتركة متفقا عليها، فقد تكون هناك مشكلة أو ظاهرة سيئة في مجتمع ما، لكن لا يتفق الكل على تشخيصها بالسوء أو مجافاة الحق وهنا تصبح معضلة حيث يعتبرها البعض حقا والبعض الآخر باطلا فعلاجها صعب يتطلب الاتفاق أولا على كونها باطلا.
أما في حالنا نحن فتفشي مرض الطائفية في السنوات الأخيرة، مع اعتراف الجميع بسوئها وخطورتها على الوطن وإن اختلفوا في مصاديقها ليمثل الحد الأساس، وهو الاتفاق على كون الطائفية خطأ وخطورة، وهذه مرجعية مبدئية مهمة، تمثل الأساس، إن حصلت إرادة لاتباعها بخطوات لاحقة تترجمها لمشاريع، أما كونها الحد الأدنى فهي تمثل أضعف الإيمان إن تم الاقتصار عليها كشعار فقط. بيد أن تفعيل هذا الشعار يتطلب خطوات لاحقة تترجمه، تبدأ بنشر الوعي الذي هو مسؤولية النخب الفاعلة في الساحة وهي إما سياسية رسمية أو دينية أو مثقفة، وفي حقيقة الحال فإن هذه النخب هي المسؤولة عن كل ما يحدث في المجتمع من خير أو شر فالناس العامة على سجيتهم في الأصل و إنما توجههم النخب للخير أو الشر فإذا توجهت مجموعة من النخب بجدية لإصلاح المجتمع فإن ذلك ممكن حتى لو تصدت لها قوى أخرى تخشى على مصالحها، ومن أهم النخب الفاعلة، نخبة الصحافيين، والصحافي الحق هو من يمتلك ملكة الكتابة والتعبير التي تظهر ما يحمل من ثقافة وتعبر بتجرد موضوعي وتترفع عن الانحياز لطائفة دون أخرى، وبالتالي فعلى هذه النخبة مسؤولية كبرى فيما تكتب وفيما تنقل، وكم كلمة تسببت في حروب وكم من قلم زرع الحقد والضغينة بين أبناء الوطن الواحد.
ليس كافيا أن يوقع الصحافيون ميثاق الشرف ضد الطائفية إنما العبرة في الالتزام به، من هنا نقترح على جمعية الصحافيين وهي صاحبة الفكرة والتي لديها سجل بأسماء الصحافيين الذين وقعوا على الميثاق أن تتصدى لكل من وقع ثم خالف هذا الميثاق وراح يبث سمومه بين الناس حتى يرتدع المخالف.
مما يساهم في تفعيل شعار (صحافيون ضد الطائفية) أمور عدة أهمها:
1- قناعة الصحافيين أنفسهم بضرورة التخلص من هذا الوباء، وأن لا طائفة تستطيع محو الأخرى حتى لو لم ترتضها، وأن التعايش إن لم نقل التمازج هو الخيار الوحيد القابل للتطبيق وخلافه يعني دمار الجميع لا طرف واحد فقط، كما حدث في كل البلدان التي سادتها الطائفية،
والاستفادة من تجارب الدول التي نجت من دمار الطائفية بأن سعت للتصالح مع بعضها كما حدث في الدول الأوروبية.
2- إفشاء روح الثقة بين المواطنين و وقف حملات التخويف و التخوين.
3- الدعوة لتجريم التمييز قانونا و تطبيقا أينما وجد، فتكون هناك محاسبة جدية لكل من يثير أو يطبق الطائفية بقوانين ومؤسسات تتخطى الشعار لتصل للصدق.
4- الدعوة إلى أن يفكر كل طرف بعقل الآخر بمعنى يتحسس معاناته ليفهمه ويزول سوء الظن به و يساعده على حل مشاكله.
5- الدعوة لإيجاد مؤسسات مشتركة بين الطائفتين في كل المجالات الممكنة سواء خيرية، اقتصادية، تربوية، اجتماعية، أو ثقافية، ولن نحلم كثيرا بالقول بالتزاوج لأنه من أعلى وأفضل درجات الاندماج. فالبلدان التي انتشر فيها التزاوج بين الطوائف انتفت فيها الطائفية تقريبا أو على الأقل زالت السدود من الشكوك وسوء الظن وتفشي الاتهامات الدائمة بالمؤامرة، وانحصر مفعول المذهب فقط في معرفة أحكام الدين دون أن يصل للسياسة، لكن نستطيع أن نحلم بمشاريع مشتركة بدون تدخل النخب الفاسدة، تصب في مصلحة الوطن وتزيل عقدة الخوف والتربص بالآخر دون أن تعني انتفاء الخصوصية المذهبية، وهذا ليس حلما غير واقعي فماذا لو تم إنشاء مؤسسات خيرية تعني بالتنمية البشرية للمواطن - مطلق المواطن - بغض النظر عن انتمائه، يكون فيه الاندماج فعليا لا اسميا كدمج الصناديق الخيرية مثلا، وجمعيات لصيانة الأسرة وحل مشاكلها، وجمعيات للتعليم وأخرى لتنمية المواهب، وغيرها.
قد يقول قائل نحن لدينا كل هذه المؤسسات واقعا، عندها نقول إذن لسنا صادقين في دعوانا لأن جل ما هو موجود واقعا يتجمل بالشعار ويستبطن الواقع المرير الذي تظهر إفرازاته على واقعنا المعاش، فإن صدقنا في دعوانا، علينا أولا أن نصدق في تشخيص واقعنا.
6- أما حل المشكلة السياسية فهو بالحوار الجاد النزيه البعيد عن التشنج والاستفزاز بين رموز أطراف المشكلة إن أمكن ووجدت الجدية بينها، أو بين النخب المخلصة القريبة من كل طرف، المؤثرة فيه.
النخب وتحريك التاريخ

عفاف الجمري




جاء في ( لسان العرب) لابن منظور، في تعريفه للنخبة: نخب. انتخب الشيء: اختاره، ونخبة القوم: خيارهم،ج26 ص 4373.

وفي قاموس أكسفورد الانجليزي etilE : صفوة، علية القوم، النخبة) أما القواميس الفرنسية فعرفتها بأنها: تضم أشخاصاً وجماعات تشارك في صياغة تاريخ جماعة ما، بواسطة القوة التي يمتلكونها، أو التأثير الذي يمارسونه، سواءً كان ذلك عن طريق اتخاذ القرارات، أو الأفكار التي يتخذونها شعاراً لهم. وفي القرآن الكريم ورد بتعابير مختلفة مثل : أئمة الكفر (قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم) و( يوم ندعو كل أناس بإمامهم) وأئمة الهدى في (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات) الأنبياء (73) وأشار سبحانه للنخبة في قوله (ولولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين) وهنا لابد أن نفرق بين أنواع من النخب ومنها:

1- السياسية: وتتمثل في السلطة الحاكمة التي بيدها مقاليد الحكم.
2- الدينية: المتمثلة إسلامياً في العلماء والمراجع، ومسيحياً : في رجال الكنيسة، ولها سلطة على قلوب النادس بدرجة تدينهم، وعلى هذا فالشعوب الإسلامية تدين بالولاء الأكبر لقياداتها الإسلامية.
3- الثقافية : وتمثل المفكرين والعلماء في مختلف المجالات، والنشطاء السياسيين، وهذه بدورها منها أنواع :

أ)- الميكافيللية النفعية: التي تنتفع إما مادياً، أو معنوياً من تسخير فكرها وثقافتها للنخب القوية مادياً (السلطة) أو معنوياً (النخب الدينية) بغض النظر عن درجة الأحقية والصواب في أي طرف، ومن هنا نشأ تاريخياً مفهوم وعاظ السلاطين ، وفي الواقع الحالي يتمثلون كمستشارين أو منظرين وكتّاب وباحثين في مراكز أبحاث تابعة لحكومات معينة، وتسير حسب الخطوط المرسومة لها، أو أنهم يسخِّرون طاقاتهم بغض النظر عن درجة الصواب، للتنظير للنخب الدينية غير المستنيرة (وأشدد فبعضها مستنير وبعضها وبال على الإسلام) ولذلك نجد في الواقع الحالي مفكري الطائفية ومفكري العنف والإرهاب ومفكري تكريس الواقع السيء المتمثل في الأعراف المجتمعية البعيدة عن أصل القرآن والإسلام وذلك محاباة لأصحاب هذا الذوق سواء من النخب أو المجتمع لنيل المكانة والحظوة.
ب)- ومنها المعتكفة المنزوية عن المجتمع.

ج)- ومنها التصادمية في الطرح: مع السلطة الحاكمة أو النخبة الدينية أو مع المجتمع بغض النظر عن درجة الأحقية في كل، وإذا كانت متصادمة مع المجتمع أو النخب الدينية (الأقوى في ولاء الناس لها) فإنها لا تحقق شيئاً من أهدافها وأفكارها، بل تراوح مكانها وقد يقضى عليها مادياً (من قبل السلطة ) أو معنوياً ( من قبل المجتمع والنخب الدينية).

أما كيف تحرك النخب التاريخ نحو الأفضل، فذلك مرهون - في اعتقادي - بتعاون النخب المستنيرة المبدئية صاحبة النية الصادقة وإرادة الحق والخير، بغض النظر عن تلوناتها من نخب دينية وسياسية (وإن كان قليل المحق من هذه الأخيرة) وثقافية، وذلك باجتماعها مع بعضها وتكوين مشروع نهضوي مشترك اعتماداً على القواسم المشتركة بينها وانتهاجاً للغة الحوار واتخاذاً من إرادة خير ونهضة الأمة، ورضا الله سبحانه وتعالى، دافعاً لها كما فعل الشيخان الأفغاني ومحمد عبده (كمثال) في مشروعهما قبل قرن من الزمان. إذا وجد الدافع فإن طريق النهضة هو التعاون فالنخب جميعها بحاجة لبعضها، ولا تستطيع أن تنهض لوحدها فكل واحدة تكمل الأخرى، فالنخبة السياسية تمتلك القوة المادية، ولكنها غالباً لا قواعد جماهيرية لها إلا الأقليات المنتفعة منها، والنخب الثقافية تمتلك الكثير من الخبرة الميدانية ولكنها لا قوة مادية لها ولا معنوية، أما النخب الدينية فهي تمتلك غالباً (خصوصاً في العالم الإسلامي) قلوب الناس، لكون التدين فطرة طبيعية عند البشر، ولكنها حالياً تحتاج لغيرها - وليس في الأصل- فالأصل أن الإسلام دين حياة، والرسول (ص) الائمة الأوئل (ع) كانوا شاملين لعلوم الدين والدنيا، ولكن تكالب الزمان على المسلمين، وعصور الظلم والجمود التي مروا بها، إضافة إلى التطور الهائل في العلوم وتفرعاتها اللامتناهية، جعل العلوم الإسلامية بحاجة للتجديد من قبل العلماء المختصين - طبعاً- وذلك بالتفريق بين المبادئ والقيم الثابتة الغير قابلة للتطور، وبين القابلة للتغير ومواكبة العصر، اعتماداً على تلك الثابتة لمجاراة العصر بما لا يخل بها، بمعنى آخر فإننا بحاجة لمشروع نهضوي يستفاد فيه من جميع الطاقات والخبرات والتجارب والإمكانات، يستشرف المستقبل، ويترك النظرة الآنية وسياسة ردود الأفعال قصيرة الأمد. ولا خشية من هذا المشروع على حاكمية الإسلام وتمكينه - والذي لم يبق منه شيء؟ وذلك لأن الفكر القرآني حاكم ومهيمن ولا يخشى الإطلاع على الجديد، وضمير الأمة حارس و(الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها)، وبذلك نتخلص من الجمود بحركة واعية تقوم على اعتماد الحلول العملية لمشاكل الواقع، بعيداً عن دغدغة مشاعر الجمهور اعتماداً على إنجازات المسلمين الاوائل، الذين أخذوا بأسباب النجاح التي نحتاجها الآن في حينهم.
(الفمنسم) الإسلامي وغير الإسلامي
عفاف الجمري

‘’الفمنسم’’ (Feminism) هو مصطلح غربي حديث نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، ويعني المطالبة بحقوق المرأة على جميع المستويات الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. الخ، وذلك بعد أن كانت النساء الأوروبيات محرومات من جميع حقوقهن، فلما ذهب رجالهن إلى الحرب تمت الاستعانة بهن لملء الفراغ في كل نواحي الحياة.
لكن عندما وضعت الحرب أوزارها وأرادوا إرجاعهن لسابق عهدهن تمردن وخرجت الحركات المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الحقوق كافة، وقد تطورت هذه الحركات حتى أصبحت عالمية وحتى تم تقنينها وبلورتها عالميا في اتفاق القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1989 والذي وقعت عليه معظم الدول ومنها إيران والسعودية بتحفظات على بعض المواد وكذا البحرين العام .2002 أما السودان فوقع عليه من دون تحفظات. إن ما يجري حالياً في المحافل الثقافية النسوية العالمية والأكاديمية المؤسساتية وغير المؤسساتية لهو نقاشات مطولة عن أوضاع النساء في كل دول العالم، خصوصاً الإسلامي، باعتبار أن الإسلام هو التحدي الأكبر للدول الكبرى.
ويتم رصد كل ظواهر الظلم المجتمعي الواقع على النساء، وبالتالي وضع خطط لإزالته ورصد أموال لإنجاح هذه المشروعات كما ترصد موازنات لكل المشروعات في المجالات الأخرى كمشروعات نشر الديمقراطية والمشروعات الثقافية وغيرها ومن أمثلة الظواهر التي يتم رصدها: عدم إشراك المرأة في اختيار الزوج، جرائم الشرف، ختان البنات، العنف ضد المرأة، الإقصاء عن المشاركة السياسية أو الاقتصادية.. الخ. وفي معظم الأحوال فإن المتهم الأول في هده المحافل هو الإسلام استناداً إلى أن من يقومون بهذه الممارسات هم المسلمون. لكن ما إن ظهرت في التيار الإسلامي في الربع الأخير من القرن العشرين بوادر ‘’فمنسم’’ إسلامي وإن كانت لا تمثل غالبية ولا ظاهرة، لكنها وجدت وفي تنامٍ مواكِبة لحركة الوعي والتجديد الذي ليس بمعنى الخروج على الأصول الإسلامية، بل إعادة قراءة النص القرآني باعتباره الثابت والمقدس. أما الفقه فهو فهم بشري قابل للتطور والتجديد وإعادة النظر، وقد تأخر ظهور هذه الحركة كثيراً، كما تأخر التجديد نفسه، بسبب عدم تفرغ المسلمين البتة لمثل هذه الأمور لانشغالهم على مدى أربعة عشر قرناً بهمّ البقاء حيث الصراعات المذهبية الطاحنة من جهة والصراعات مع الغزاة والمستعمرين من جهة أخرى.
لكن ‘’الفمنسم’’ الإسلامي يختلف عن غير الإسلامي، فغير الإسلامي يدعو إلى المساواة المطلقة الحرفية بين الرجال والنساء التي تصل إلى أن تعمل المرأة جنديةً، وتدخل السجن وفي المصنع من دون مراعاة لأنوثتها، أما الإسلامي (وأقصد به النظرية التجديدية عن المرأة لا الواقع المعاش الذي يسيء لها) فهو يراعيها ولا يوجب عليها الحرب ويعفيها من العمل الشاق إلا إذا أرادت هي بنفسها فلا يمنعها، وذلك بأن يوجب نفقتها على الرجل في كل الأحوال متزوجة أم غير متزوجة.
و’’الفمنسم’’ الإسلامي يقر الحرية الجنسية في حدود الزواج، أما غير الإسلامي فيقرها بلا حدود، فتستطيع المرأة أن تتزوج امرأة أخرى أو رجلاً أو تتخذ عشيقاً ولا يحق لأحد مساءلتها فهي حرية شخصية. و’’الفمنسم’’ الإسلامي توصل من خلال البحوث الجديدة - (لا التقليدية إلى أن المرأة تستطيع بالمفهوم القرآني الذي لم تشوهه ممارسات المسلمين) أن تقود سياسياً بشرط الكفاءة والنزاهة والالتزام بالستر الشرعي فقط ويشترك غير الإسلامي معه في هذه النقاط عدا الالتزام الديني والستر الشرعي. و’’الفمنسم’’ الإسلامي ينبذ العنف ضد المرأة وجرائم الشرف وختان البنات، وفي هذا يشترك مع غير الإسلامي ولكن ‘’الفمنسم’’ الإسلامي (على المستوى النظري) يعطي المرأة امتياز أن نفقتها واجبة في كل الأحوال على الرجل حتى لو كانت ثرية، وأن ‘’الجنة تحت أقدام الأمهات’’، والنصوص القرآنية كلها إما أنها لا تميز في الفضل بين المرأة والرجل (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) أو أنها تفضلها أحياناً (وليس الذكر كالأنثى) وفي تفسير سورة ‘’إنا أعطيناك الكوثر..’’ التي نزلت رداً على من عيّر الرسول بالأبتر أي عديم الولد.
تقــــول بعــض التفاسير إنــــه سبحانه يقول إنه أعطــاه الكوثر وهي فاطمة الزهراء التي هي أفضل من كل الولد الـذي عـيره بعدمــه.
وسيرته (ص) مع النساء - في ذلك الوقت الذي تباع فيه النساء وتشترى - كان حنوناً عليهن (قرة عيني النساء) ويوصي بهن (رفقاً بالقوارير) ولم يستعمل العنف معهن وكان يقف لابنته إكباراً إذا حضرت، فهو بذلك يكون المدافع الأول عن حقوق وكرامة المرأة، ولكن الذي جعل أوضاع المرأة الإسلامية متردية بالمستوى الذي نشهده هو الجهل أولاً وأخيراً، حتى جاءنا المد الخارجي الذي ينسب جرائمنا إلى الإسلام ويريد أن ينقذنا، وبدلاً من أن نبادر لتحسين أحوالنا بأنفسنا انقسمنا إلى: بين من ذاب في دعوات الخارج اضطراراً من سوء أوضاع الداخل، وبين من انكفأ على القديم بحذافيره دونما أي إصلاح ولم يكن هناك حل في الوسط.
لأجل التمازج الوطني



في يوم 1 أبريل 1995 م ،و عند الساعة الرابعة فجراًُ ، قفل (م) - و هو شاب من بني جمرة - عائداً لبيته بعد أن صلى الفجر في المسجد ، ففوجئ بقوات الشغب تسد كل الطرقات ، وتمنعه من العودة ، وإلا أفرغت الرصاص في صدره ،وعندما فهم الأمر ، وأن شيخ القرية محاصر ، قال مواسياً له : اقتلوني ،لا أبالي ، فقال له الجندي : لن أصنع منك شهيداً ،ولكن سأعذبك طوال عمرك ، ووضع الرشاش في فخده وأفرغه ، ومنذ ذلك الحين وهو يعاني أمراضاً لا حصر لها ، بدأت ببتر الرجل ولم تنته بقائمة من الأمراض النفسية والجسدية ،و (م.ح) أصابه ما أصابه من رش الرصاص في تلك الليلة ، فأخذ يزحف على بطنه والدماء تسيل منه ،حتى وصل لأحد البيوت وطرق الباب برأسه ثم أغمي عليه ، لتجده صاحبة البيت جثة أمام بابها مضرجة بالدماء، والحاجة (ز) ، ستينية العمر ، سمعت في إحدى الليالي، أصوات الجند وهم ينهالون ضربا على شاب عند باب بيتها ، فخرجت لتستطلع الأمر وإذا به ابنها ، فرمت بنفسها عليه لتخلصه منهم ، فانهالوا عليها ضرباً ، ولم يكتفوا بذلك بل أطلقوا عليها الرصاص المطاطي ، عدة طلقات في القلب وعلى الرأس فوقعت صريعة في الحال ، وآخر كلمة قالتها لابنتها ، وهي تحاول أن تنتشلها : الشغب قتلوني، ولا تزال البنت تعاني من آثار الحادث النفسية.

أما (م.ج) فقد اعتقل ولديه ولدان ، ولم يحصل على مقابلة إلا بعد مرور خمس سنوات ليكتشف أن عنده ثلاثة أولاد حيث كانت زوجته حاملاً بالثالث ولم يكن يعلم ، أما عن ظروف السجن فيعجز القلم عن التبيان فعند أول مقابلة لا أحد يستطيع أن يتعرف على سجينه لأنه يخرج مسخاً وباختصار شديد هذا السجن هو تماماً أبو غريب أو غوانتنامو أما الأسر فلا تسأل قارئي العزيز عنها ، تتلقفها أيدي القدر بدون رحمة ، فلها عقوبة قاسية كونها أسرة ذلك المعتقل .
أنقل بعضاً من هذه النماذج بغرض أن يفهم الطرف الآخر عقلية هذا الطرف ، لأن الوحدة والتمازج والتفاهم في أي كيان مهما كبر أو صغر ، من الأسرة إلى الوطن الصغير إلى العالم الأكبر ، تقوم على أسس أهمها : أن يفكر كل بعقل الآخر ، ويطلع كل على هموم الآخر ومعاناته ، ليفهمه ويصل معه إلى حل مرض للطرفين ، إن كانت هناك إراده فعليه للإصلاح والتمازج الوطني ، الذي هو أساس الإستقرار المؤسس لعملية التنمية ، ومن مثل هذه النماذج المذكورة تفند المقولة بشأن العدالة الإنتقالية ، بأنها استيراد لأفكار رنانة من الخارج لا تلائم واقعنا ،وكأن المتكلم يتكلم عن استيراد موضة أزياء لشخص مرفه ، ولا يتكلم عن أناس عانوا ولا يزالون ، سخطوا ولا يزالون ، لأنهم لم يحصلوا على ما يطبب جروحهم ، بل مازالت العقوبات تسري عليهم في كثير من الجوانب ليس أقلها القوائم السوداء على الحدود ، خارج البحرين ، و التي لم يسلم منها حتى النواب وفي داخل المؤسسات الحكومية والوزارات تجاه الأشخاص ذوي التاريخ النضالي أو الرمزي.

إن استطعنا تكميم الأفواه لفترة مؤقتة ، فإن الغليان يبقى مستمراً لا نعلم عواقبه ، ولا أحد يستطيع التحكم فيه ، أما مقولة تغيير التاريخ فهذه أيضاً ساذجة لأن التاريخ في كل مكان ، وعلى طول الأزمان و الدهور ، تاريخان ، تاريخ سلطة تصيغه كما تحب ، وتاريخ معارضة تسجله حتى ولو بالدم ومن داخل القبور، ففي كل الأحداث التاريخية نجد دائماً طرحين و تفسيرين متغايرين ، و أما مقولة : تحقيق مكاسب فئوية فهي مغالطة ، سعت ومازالت تسعى لترسيخها الأطراف الأخرى بتصوير المعارضة فئوية وبالضغط بكل السبل لتحويلها كذلك ، وإذا كانت الأطراف الأخرى استفادت كثيراً من التحول الديمقراطي أكثر من المعارضة وهي لم تبذل شيئاً ، فهل يضيرها جبر نفوس الضحايا من أي طرف ، للوصول لتراض يؤسس لوحدة حقيقية ؟
إن بإمكان المحبين لهذا الوطن سواءً من سلطة أو معارضة ،أن يصلوا لحلول مرضية ، إن كانت هناك نية مخلصة حقيقية للإصلاح ، تواجه الواقع بجرأة وتعترف بالأخطاء من الطرفين.
نعم نستطيع أن ندغدغ العواطف بإدعاء أن الوحدة الوطنية الحقيقية تحققت بعد الميثاق ، و أنه لا داعي لأي إثارة للماضي الآن ، ولكن ماذا لو انفجر بركان الحقيقة في أي وقت من الأوقات ؟ بدأنا بتراض وطني كاد أن يكون حقيقياً لولا التغيير الغير عقدي للدستور ، والذي أعقبه تراجعات لا حصر لها ، بدأت بسحب المكتسبات واحدة تلو الأخرى بشتى الطرق ، وإزاء هدا الوضع انقسمت المعارضة إلى قسمين ، قسم عقلاني يحاول الوصول لحلول بالتي هي أحسن ، وقسم تتحكم فيه ردود الأفعال يريد أن ينفجر في كل حين ، وحتى المعارضة العقلانية لم تلق يدا مفتوحة لتصافحها ، بل يتم التضييق عليها ودفعها بقوة نحو التطرف .
ليست البحرين بدعاً بين الدول التي تعرضت لنزاع داخلي بل هناك ماهو أشد منها بكثير كالبوسنة والهرسك ، وجنوب أفريقيا ، و راوندا ، و لكنهم جميعا استطاعوا معالجة الماضي بواقعية وحكمة ، ليؤسسوا عليه الاستقرار في الحاضر لبناء مستقبل زاهر ، فقط على الجميع من أطراف سلطوية أو معارضة ، أن يكونوا واقعيين ويضعوا الله و مستقبل الأجيال والوطن نصب أعينهم ، وأن يحبوا هنا الوطن بصدق ، ليعترفوا بأخطائهم ، ويتوصلوا لحلول مرضية للطرفين ، أبسطها وقف العقوبات التي لا يزال يمارسها الحرس القديم خصوصا على كل من له علاقة بالشخصيات ذوات التاريخ ، و رد الاعتبار و ا لاعتذار الأدبي للضحايا ، وبعدها يأتي الكلام في بقية الأمور .
عفاف الجمري.
Afaf 39474225@gmail.com