Tuesday, July 14, 2009

النخب وتحريك التاريخ

عفاف الجمري




جاء في ( لسان العرب) لابن منظور، في تعريفه للنخبة: نخب. انتخب الشيء: اختاره، ونخبة القوم: خيارهم،ج26 ص 4373.

وفي قاموس أكسفورد الانجليزي etilE : صفوة، علية القوم، النخبة) أما القواميس الفرنسية فعرفتها بأنها: تضم أشخاصاً وجماعات تشارك في صياغة تاريخ جماعة ما، بواسطة القوة التي يمتلكونها، أو التأثير الذي يمارسونه، سواءً كان ذلك عن طريق اتخاذ القرارات، أو الأفكار التي يتخذونها شعاراً لهم. وفي القرآن الكريم ورد بتعابير مختلفة مثل : أئمة الكفر (قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم) و( يوم ندعو كل أناس بإمامهم) وأئمة الهدى في (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات) الأنبياء (73) وأشار سبحانه للنخبة في قوله (ولولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين) وهنا لابد أن نفرق بين أنواع من النخب ومنها:

1- السياسية: وتتمثل في السلطة الحاكمة التي بيدها مقاليد الحكم.
2- الدينية: المتمثلة إسلامياً في العلماء والمراجع، ومسيحياً : في رجال الكنيسة، ولها سلطة على قلوب النادس بدرجة تدينهم، وعلى هذا فالشعوب الإسلامية تدين بالولاء الأكبر لقياداتها الإسلامية.
3- الثقافية : وتمثل المفكرين والعلماء في مختلف المجالات، والنشطاء السياسيين، وهذه بدورها منها أنواع :

أ)- الميكافيللية النفعية: التي تنتفع إما مادياً، أو معنوياً من تسخير فكرها وثقافتها للنخب القوية مادياً (السلطة) أو معنوياً (النخب الدينية) بغض النظر عن درجة الأحقية والصواب في أي طرف، ومن هنا نشأ تاريخياً مفهوم وعاظ السلاطين ، وفي الواقع الحالي يتمثلون كمستشارين أو منظرين وكتّاب وباحثين في مراكز أبحاث تابعة لحكومات معينة، وتسير حسب الخطوط المرسومة لها، أو أنهم يسخِّرون طاقاتهم بغض النظر عن درجة الصواب، للتنظير للنخب الدينية غير المستنيرة (وأشدد فبعضها مستنير وبعضها وبال على الإسلام) ولذلك نجد في الواقع الحالي مفكري الطائفية ومفكري العنف والإرهاب ومفكري تكريس الواقع السيء المتمثل في الأعراف المجتمعية البعيدة عن أصل القرآن والإسلام وذلك محاباة لأصحاب هذا الذوق سواء من النخب أو المجتمع لنيل المكانة والحظوة.
ب)- ومنها المعتكفة المنزوية عن المجتمع.

ج)- ومنها التصادمية في الطرح: مع السلطة الحاكمة أو النخبة الدينية أو مع المجتمع بغض النظر عن درجة الأحقية في كل، وإذا كانت متصادمة مع المجتمع أو النخب الدينية (الأقوى في ولاء الناس لها) فإنها لا تحقق شيئاً من أهدافها وأفكارها، بل تراوح مكانها وقد يقضى عليها مادياً (من قبل السلطة ) أو معنوياً ( من قبل المجتمع والنخب الدينية).

أما كيف تحرك النخب التاريخ نحو الأفضل، فذلك مرهون - في اعتقادي - بتعاون النخب المستنيرة المبدئية صاحبة النية الصادقة وإرادة الحق والخير، بغض النظر عن تلوناتها من نخب دينية وسياسية (وإن كان قليل المحق من هذه الأخيرة) وثقافية، وذلك باجتماعها مع بعضها وتكوين مشروع نهضوي مشترك اعتماداً على القواسم المشتركة بينها وانتهاجاً للغة الحوار واتخاذاً من إرادة خير ونهضة الأمة، ورضا الله سبحانه وتعالى، دافعاً لها كما فعل الشيخان الأفغاني ومحمد عبده (كمثال) في مشروعهما قبل قرن من الزمان. إذا وجد الدافع فإن طريق النهضة هو التعاون فالنخب جميعها بحاجة لبعضها، ولا تستطيع أن تنهض لوحدها فكل واحدة تكمل الأخرى، فالنخبة السياسية تمتلك القوة المادية، ولكنها غالباً لا قواعد جماهيرية لها إلا الأقليات المنتفعة منها، والنخب الثقافية تمتلك الكثير من الخبرة الميدانية ولكنها لا قوة مادية لها ولا معنوية، أما النخب الدينية فهي تمتلك غالباً (خصوصاً في العالم الإسلامي) قلوب الناس، لكون التدين فطرة طبيعية عند البشر، ولكنها حالياً تحتاج لغيرها - وليس في الأصل- فالأصل أن الإسلام دين حياة، والرسول (ص) الائمة الأوئل (ع) كانوا شاملين لعلوم الدين والدنيا، ولكن تكالب الزمان على المسلمين، وعصور الظلم والجمود التي مروا بها، إضافة إلى التطور الهائل في العلوم وتفرعاتها اللامتناهية، جعل العلوم الإسلامية بحاجة للتجديد من قبل العلماء المختصين - طبعاً- وذلك بالتفريق بين المبادئ والقيم الثابتة الغير قابلة للتطور، وبين القابلة للتغير ومواكبة العصر، اعتماداً على تلك الثابتة لمجاراة العصر بما لا يخل بها، بمعنى آخر فإننا بحاجة لمشروع نهضوي يستفاد فيه من جميع الطاقات والخبرات والتجارب والإمكانات، يستشرف المستقبل، ويترك النظرة الآنية وسياسة ردود الأفعال قصيرة الأمد. ولا خشية من هذا المشروع على حاكمية الإسلام وتمكينه - والذي لم يبق منه شيء؟ وذلك لأن الفكر القرآني حاكم ومهيمن ولا يخشى الإطلاع على الجديد، وضمير الأمة حارس و(الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها)، وبذلك نتخلص من الجمود بحركة واعية تقوم على اعتماد الحلول العملية لمشاكل الواقع، بعيداً عن دغدغة مشاعر الجمهور اعتماداً على إنجازات المسلمين الاوائل، الذين أخذوا بأسباب النجاح التي نحتاجها الآن في حينهم.

No comments: