المشعوذون في ملعب النواب
عفاف الجمري
جاء في خبر صحافي أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية قد أعلنت أنها تتعقب المواقع التي تروج لأعمال السحر والشعوذة على شبكة الانترنت، وأنها تغلق يومياُ أكثر من 200 موقع[1].
وفي البحرين يتجه مجلس النواب إلى رفع اقتراح قانون جديد إلى الحكومة يستهدف إضافة مادة إلى قانون العقوبات لتجريم ممارسة السحر والشعوذة[2]، فهل ما زالت مثل هذه الأفكار رائجة في هذا العصر؟ حقيقة نعم، وفي أوساط عديدة مسلمة وغير مسلمة، غربية، وشرقية ومتدينة وغير متدينة رغم أن العلم الحديث القائم على الحس والتجربة ينكر مثل هذه الأمور جملةً وتفصيلاً.
فالمفكر الغربي أوكونور والعربي محمد سيف الدين فهمي يقولان المضمون نفسه بأن ‘’كل معرفة لا تقوم على الحس والتجربة فإنها محض خيال وافتراء’’، حيث إنهما يحصران المعرفة بالحس والتجربة العلمية ولا مكان للوحي والإلهام لأنهما غير ملموسين. إلا أن مثل هذه الاعتقادات نجدها راسخة حتى على مستوى الدول الأوروبية البعيدة كل البعد عن الغيبيات، ولا نزال نتذكر فضيحة نانسي ريغان زوجة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في بداية الثمانينات التي كشفت الصحافة أنها كانت تستشير المنجمين في كل خطوة يخطوها الرئيس حتى علّقت الصحافة بكاريكاتير ساخر يقول ‘’ها.. لم نكن نعرف عندما قلتم حرب النجوم، إنكم تقصدون التنجيم’’ إشارة إلى مشروع الرئيس في ذلك الوقت في محادثاته مع روسيا للحد من التسلح النووي. أما في العالم العربي والإسلامي فحّدث ولا حرج، فهذه السوق رائجة جداً وضحاياها كثر من السذج وفاقدي الأمل في الحياة الواقعية. فقبل فترة تم القبض على محتالين من إفريقيا في البحرين، وكتب السحر متوافرة في المكتبات وحتى في السوق الشعبي المتجول في المناطق، والملاحظ أنها بمجرد نزولها تختفي بسرعة مما يدل على شدة الإقبال عليها، هذا غير الفضائيات التي تروج لقراءة الحظ والبرامج التي تتحدث عن مس الجن وكيفية استخراجهم. أما عن مدى صحة هذه الاعتقادات ففي ذلك جدل كبير حتى بين المؤمنين بالغيب، فالتجريبيون من مثل أوكونور ومحمد فهمي لا يؤمنون طبعاً بما لا يمكن إخضاعه للحواس والتجربة العلمية أما المؤمنون بالغيب - والإيمان بالغيب من دعائم الإسلام الأساسية ‘’الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة’’ فهم أيضاً مختلفون. فالسيد محمد حسين فضل الله لا يؤمن بالحسد بالمعنى المتعارف عليه ويفسر آية ‘’ومن شر حاسد إذا حسد’’ بأنه الكيد الذي يكيده الإنسان السيئ، في حين أن هناك آيات في القرآن صريحة بوجود الجن ‘’وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون’’، و’’من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه’’ وأنهم عندهم قابلية مس الإنس على اعتبار أنهم أرواح فتستطيع أن تتعبث فتدخل في جسد الإنسان ‘’كالذي يتخبطه الشيطان من المس’’ وأن من أسباب إصابة الإنسان بالمس هو البعد عن طاعة الله ‘’ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين’’ وأن من طرق إبعاد هذا الشيطان، ذكر الله ‘’إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون’’ والاغتسال بالبارد ‘’واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب’’ وأن هذا الشيطان إذا دخل الإنسان يحدث عنده حالات مرضية سيئة تجعله لا يتزن ‘’يتخبطه الشيطان’’ و’’يضيق صدره ليحزن الذين آمنوا’’ وتدخل الوساوس فيه ‘’إنما النجوى من الشيطان و’’الشيطان يعدكم الفقر’’ و’’من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس’’.
لكن مع ذلك كله فإن النفس القوية التي لا تستسلم وتذكر الله تدحره فهو في النهاية ضعيف ‘’إن كيد الشيطان كان ضعيفا’’ وأما السحر فقد ذكر في الآيات التي تتحدث عن النبي موسى(ع) والسحرة وتتحدث عن السحر البصري ‘’يخيل إليه من سحرهم أنه تسعى’’. وفي الآيات التي تتحدث عن الملكين الذني أنزلهما الله سبحانه وتعالى فأخذا يعلمان الناس ‘’ما يفرقون به بين المرء وزوجه’’ تتحدث عن السحر الباطني ولكن لا تنسى أن تؤكد بأنه ‘’وماهم بضارين به من أحد إلا بأذن الله’’.
وتذكر كتب الحديث بأن الرسول (ص) قد سحر من قبل لبيد بن عاصم اليهودي، فمرض فجاءه جبرائيل وأخبره بمكان السحر وهو خيط معقود في بئر وأمره بقراءة المعوذتين على كل عقدة أثناء فكها، فتخلص من السحر وبذلك نشأ مفهوم عقد السحر وفكه، فأوجب بعض الفقهاء ومنهم الشيخ حسين العلامة تعلّم فك السحر وحرم تعلّم عقده، وتطول قائمة الكتب التي تتحدث عن العلوم المتصلة بهذا الأمر وهي غريبة عجيبة وبعضها للعقد وبعضها للحل ويعتمد بعضها على النقل والآخر على التجريب (ليس بالمعنى العلمي)، ويستندون لقول أحد رجال النبي سليمان ‘’قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك’’ بأن هناك علماً من الله سبحانه وتعالى يمكِّن من ذلك يفوق في قدرته على ما عند الجن لأن الذي نطق قبله وهو جني ‘’قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك’’.
ويغوص في هذه الأمور حتى غير الغيبيين فيفلسفون المس على أنه اختلال في الهالة المغناطيسية حول رأس الشخص الطبيعي نتيجة مرض أو خوف شديد أو انفعال أو فرح أو شهوة، فيسهل اختراقه من الأرواح الأرضية خصوصاً لو كان في مقبرة أو حمام فهي أماكن تواجد الجن، وتطول النقاشات في القنوات بين النفسانيين الذين لا يؤمنون بالمس الشيطاني ويؤمنون بالعلاج عن طريق جلسات العلاج النفسي، لأنهم يحللون بها أساس المشكلة ويدعمون المريض نفسيا، وبالأدوية وبين المعتقدين به. ومهما تكن نسبة الصحة عند أي طرف فإن العابثين في المياه العكرة من الدجالين والمدعين للعلم كثيرون والضحايا كثر، وسوق الشعوذة في رواج يزداد كلما زاد الفقر والبؤس والجهل وقلة الورع، والفساد السياسي والاقتصادي.
وإن كانت هناك أجندة أهم بكثير من موضوع الشعوذة تمس المواطن، ولكن بما أن الاتفاق بين النواب صعب في الأمور الجوهرية فليكحلوا أعيننا بالاتفاق ولو على الجن.
[1] راجع: الوقت السبت 26 مايو/أيار 2007
[2] راجع: الوسط السبت 26 مايو/أيار 2007
Tuesday, July 14, 2009
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment