Tuesday, July 14, 2009

التدافع البناء


هناك استراتيجيات مختلفة للتعامل في الساحة السياسية و الدينية المحلية و العالمية حال الاختلاف ، تم بلورتها في أطروحات نظرية أبرزها في العصر الحديث أطروحة صمويل هانتيجتون لصراع الحضارات و فرانسيس فوكوياما الأمريكي، الياباني الأصل في كتابه( نهاية التاريخ ) : الذي يتحدث فيه عن حتمية انتصار الغرب الأيدلوجي على كل الأيدلوجيات العالمية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ، و بالرغم من وجود مفكرين غربيين أتوا بنظريات مختلفة مثل بول كينيدي الذي أشار في كتابه ( قيام و سقوط القوى العظمى ) إلى احتمال تخلي أمريكا عن تفردها و يوصيها بأن تتجنب التوسع الامبريالي الذي يفوق إمكانياتها الفعلية ، و بريجنسكي الذي قال في كتابة ( خارج نطاق السيطرة ) بأنه يتخوف على مستقبل أمريكا و الغرب و يرى بأن التحدي الذي سوف يواجهها يأتيها من داخلها بسبب ثقافة ( الإباحة في كل شيء ) مما يفسد البلاد من الداخل و يشيع فيها الفوضى إلا أن الساسة الأمريكيين يضربون عرضاً نظريات هذين الأخيرين الذين يقلصان نفوذها و لا يشرعنانه ، بعكس الأوليين ( هانتجتون و فوكوياما ) ، و عليه فإن السياسة الغربية قائمة على السيطرة بمختلف الحجج و التصادم مع المخالف لها ، أما سياسات الشعوب العربية و الإسلامية بينها و بين بعضها فمتفاوتة و تحكمها الفوضى فهم يضربون بعضهم بحجة الخلاف الديني و المذهبي والعرقي أيضاً ، في الوقت الذي وحد الغرب نفسه رغم خلافاته المذهبية ،أما في الساحات المحلية فنجد أن الخلاف يعد أكبر مبرر لإلغاء الآخر حتى بين أصحاب المذهب الواحد و الذي يصل في أقصى الحالات إلى التصفيات في الأرواح و الممتلكات ، و لو عدنا و احتكمنا لمرجعيتنا الإسلامية المتمثلة في القرآن ، لوجدنا بأنه سبحانه يعد الخلاف بين البشر سنة طبيعية و هو الأصل و ليس الرأي الواحد كما هو سائد في الفهم العام قال تعالى ( و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) فقد وُجدنا للخلاف الذي من فوائده النضج و التبصُّر و التنمية و التعاون ( ليتخذ بعضكم بعضاً سخريا) - من االتسخير و ليس السخرية- هذا إذا أحسنت إدارة الخلاف من قبل قادة المجتمع ، فالاختلاف لو نظرنا له بنظرة واعية فيه إثراء و نضج و نمو ، يزداد بزيادة التفرعات التي تدل على إعمال العقل و الإبداع ، بعكس التوجه الواحد الأوحد الذي لا يدل إلا على تعطيل العقول لأجل عقل واحد ، يحتمل الصحة و الصواب و الحقيقة الكاملة لا توجد في عقل واحد و توجه واحد ، بل في مجموع العقول و التوجهات تقتسمها بنسب متفاوتة و لذلك التعاون مطلوب عقلاً و شرعاً ففي الحديث عنه (ص): ( اختلاف أمتي رحمة ) لأن كل واحد يدرك أحد جوانب الحقيقة و بتعاونهم يدركونها كلها و في كل توجه تتحقق مصلحة مجتمعية و باجتماع التوجهات تتحقق كل المصالح بعكس التفرد الذي يؤدي إلى الضيق و النمو المحدود و الأسوء من ذلك التضارب الذي يؤدي إلى الدمار ، و الذي يعكس عدم الرشد في إدارة الخلاف و بالتعبير القرآني هو البغي في توظيف الخلاف قال تعال ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه و ما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) و تشير الآية إلى أن المسؤول عن إدارة الخلاف برشد أو ببغي هم النخب ( الذين أتوه من بعد ما جاءتهم البينات ) و ليست القواعد في حين أن الخلاف الراشد هو السنة الطبيعية كما ذكرت الآية ( و لذلك خلقهم ) و أشارت آيات أخرى بضرورته لأجل التدافع بمعنى التنافس فهناك التدافع الحضاري بين الامم فكل حضارة تنبغ في جانب ، و مجموع إنجازات الحضارات يؤدي إلى إعمار الكون هذا إذا اتخذت منحنى التدافع البناء لا الصراع الهدام قال تعالى: ( و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض و لكن الله ذو فضل على العالمين ) البقرة: 251 إشارة إلى الإعمار الكوني فالاتفاقيات العالمية بين الدول لأجل الحد من الاحتباس الحراري و الحد من اتساع ثقب الأوزون مثلاً تمثل تدافعاً بناءً و في آية أخرى ( و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا) الحج:40 إشارة إلى الإعمار و البناء البشري و انتصار إرادة الخير على الشر بفعل التدافع و التعاون البناء بين البشر ، و من أمثلة ذلك اتفاقيات الحد من التمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو المذهب فهي بلا شك مظهر من مظاهر التدافع البناء و الذي لا يعني - بلا شك - السذاجة و لكن البدء بالحوار و التعاون البناء و بالإحسان فإن أفلحت هذه الجهود و إلا فإن خيار تدافع و تعاون قوى الخير لاقتلاع بذور الشر يبقى قائماً على أساس ( آخر الدواء الكي ) كما في حال اجتثاث المحتل من الأوطان.
الخلاف حسب الفهم السائد يهدم و لكنه سبحانه يؤكد بأنه سنة طبيعية ، ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة و لا يزالون مختلفين ) هود: 128 و هذه السنة تعقبها سنة أخرى هي التعارف في قوله تعالى : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا ) و نتيجة أيضاً له يأتي النمو و النضج و التعاون و التدافع البناء كما أوضحت الآيات، و في سورة يوسف (ع) عندما قال نبي الله يعقوب (ع) لبنيه ( لا تدخلوا من باب واحد و ادخلوا من أبواب متفرقة ) صحيح أن هناك تفسيراً يقول بأنه قال ذلك لمنع الحسد و لكن هذا لا يتعارض مع تفسير أعمق هو ان قوله ( متفرقة) و عدم قوله( متعددة) يشير إلى البدائل أو المشاريع المتزامنة غير المتضاربة المثمرة كلُّ في جانبه و اتجاهه يجمعها الهدف الأوحد ( رضا الله ) و يفرق استراتيجياتها و أساليبها العقول المبدعة المتنوعة و الاجتهادات الحرة النزيهة.
إن من أمثلة التدافع البناء المحلي هو الحال اللبنانية سابقاً قبل الأزمة الأخيرة فكل جماعة لها مشروع بناء يخدم المجتمع يختلف عن مشروع غيرها و لا يتضارب معه و مجموعها ككل يخدم المجتمع اللبناني و يؤدي إلى النمو المطّرد بتنوع هذه المشاريع و زيادتها فحزب الله مشروعه التحرير من أيدي المحتلين و السيد محمد حسين فضل الله مشروعه إصلاح المرجعية الذي أفرز مشاريع على الأرض مثل المبرات الخيرية و هي عبارة عن مشاريع خيرية تستوعب طبقات متعددة من المجمع اللبناني و المرحوم الحريري مشروعه إعادة بناء البنية التحتية للاقتصاد اللبناني و حركة أمل مشروعها في البناء السياسي أما المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين و السيد هاني فحص فمشروع كل منهما بناء الفكر و الفلسفة الإسلاميين و دعم لبنان بالعلاقات العامة الخارجية و مشروع السيد موسى الصدر ( ره ) بقيادة أخته رباب الصدر مثل مشاريع فضل الله الخيرية و لكن بغطاء قانوني دولي ، و هكذا نرى كيف أن هذه التوليفة تثري الواقع اللبناني و لا تتضارب مع بعضها.
إن سياسة المشاريع المتوازية تختصر الوقت و الجهد و ترص الطاقات، كل في مجاله لخدمة و نماء المجتمع و التي اعتمدها الغرب غير المسلم فحكم العالم لأنه أخذ بالسنن الإلهية و اتخذ المسلمون سياسة المشاريع المتضاربة ف( ضربت عليهم الذلة ) ببعدهم عن السنن الإلهية و أصبحوا ( كغثاء السيل ) ( ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون )


عفاف الجمري

No comments: