Tuesday, July 14, 2009

أعمدة
في يــــوم المــرأة
عفاف الجمري

جدلية قديمة حديثة مطروحة في الساحة باستمرار: هل المرأة مظلومة حقاً؟
ما فتئنا في عصر ما بعد الاستعمار نسمع دعوات تحرير المرأة من قبل متبني الفكر الليبرالي أو اليساري تقابلها ردود من الإسلاميين بأنها قد أعطاها الإسلام كل حقوقها وما دعواتكم هذه إلا لغزونا من الداخل وتحويل المرأة المسلمة إلى غربية الشكل والمضمون.
لكن في عصر ما بعد «الثورة الخمينية» تحديداً ظهرت بوادر تيار ثالث فيه من سمات الفريقين، بمعنى تحرير المرأة لكن ليس لأن تضاهي المرأة الغربية، إنما لتحصل على كل حقوقها التي منحها إياها القرآن وحجبتها عنها تراكمات الزمن بما تحويه من عوامل البيئة والعادات والنوازع الذكورية التي تسللت من دون شعور للفهم القرآني. بمعنى آخر، فإن الدعوة الجديدة تتمثل في إعادة قراءة النص القرآني ومن قبل المختصين بالشريعة من علماء لكن بنظرة متجردة عن قراءة من سبقوهم (من غير المعصومين طبعاً).
كانت مفاجأة للجميع، أن توجد النساء في مواقع متقدمة جداً منذ بداية الثورة الخمينية (وهي إسلامية) في البرلمان ومجلس الخبراء ومستشارة في القضاء ومستشارة للرئيس في الرياضة (بالحشمة طبعاً) والإخراج السينمائي ورئاسة تحرير الصحف وفي الحوزات وقد وصلت إلى مرحلة الاجتهاد ولديها قانون للأحوال الشخصية ومازالت تطالب بالمزيد.
ما فتئت المرأة على مر التاريخ أن كانت منكوبة، مستغلة، مستعملة، مظلومة ومهمشة في كل المجالات: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بسبب قوتها الجسدية الضعيفة لا العقلية. وقد كانت هكذا حالها على مر الأزمان إلا ما ندر عندما تأتي دعوات إصلاحية لرفع الظلم عن ضعفاء المجتمع ومن أهمهم المرأة والأطفال، ولذلك نرى التركيز الشديد في النصوص النبوية على هذين العنصرين الضعيفين جسدياً، وبسبب طبيعة البشر المزدوجة بين الخير والشر (فألهمها فجورها وتقواها)، فعندما يسود جانب الشر، وهو الغالب (وقليل من عبادي الشكور) فإن القوي يظلم الضعيف حيث لا تردعه إلا القوة الظاهرية. لذلك نجد الرسول (ص) يكرر «رفقاً بالضعيفين المرأة والطفل الصغير» و«رفقاً بالقوارير». ونجد أن الله سبحانه قد سد ما يمكن أن يجلب لهن الأذى في وقت لا يهاب فيه إلا القوي فكفل لها نفقتها وأوجبها على أبيها ثم زوجها وأمرها بستر مفاتنها كيلا يطمع فيها مريض على أن هذه الاحترازات جلبت سوء فهم عند المسلمين بعد الرسول (ص) وفي عصور التأخر خصوصاً، فخلطوا المفاهيم وتصوروا أن المرأة ضعيفة عقلاً وليس جسداً فقط، وأنها مواطنة من الدرجة الثانية أو الدنيا، وأنها ليس عليها فقط أن تستر مفاتنها، بل يجب ألا تخرج من بيتها إطلاقاً أو للضرورة القصوى وتم إدخال المفاهيم المحرفة الموجودة في الديانات السابقة في التفسير القرآني فأحدثوا انقلاباً على القرآن من دون أن يشعروا وجعلوا من تفسيره هذا أداة لظلم المرأة بعد أن كان مجيء الإسلام فتحاً عليها نقلها نقلة وإذا بهم يعيدونها إلى سابق وضعها في الجاهلية وأسوء لأنه هذه المرة باسم الشرع ومن يعيد النظر ويأتي بتفسير يتلاءم مع روح القرآن وغاياته ومع الفطرة السليمة التي لا يتناقض معها القرآن إطلاقاً «فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون». (الروم: 30).
ومن سيرة الرسول (ص) فإنه يضرب بعصا المروق من الدين، وصحيح أن دعوات الاستعمار قديماً والغرب حديثاً ما فتئت تدعو إلى تحرير المرأة وإعطائها حقوقها، وأنهم حرروا المرأة في بلدانهم من العبودية بشكل، لكنهم أوقعوها في عبودية من نوع آخر متمثلة في استغلالها الجسدي. لكن من قال إن كل من يدعو إلى رفع نير الظلم في العالم العربي والإسلامي عن المرأة هو يدعو للنموذج الغربي؟ قد تكون هناك أمور مشتركة كالمناداة بحقها السياسي ووقف العنف ضدها، لكن هذا لا يعني الدعوة للنموذج الغربي ولا يعني العمالة للغرب ولا التآمر. نقولها بملء الفم إن: واقع المرأة في كل مكان مزر وما يهمنا هو عالمنا الإسلامي نبدأ به من خلال إعادة معالجة النصوص الإسلامية والرجوع بها إلى نبعها الصافي الأول لنعيد الفتح الذي جاء به الرسول (ص)، وهكذا نرى أن مصدر معاناة المرأة قد يكون سياسياً أو اقتصادياً (حالها كحال الرجل) أو ثقافياً يسيطر حتى على التفسير القرآني.
إن انشغال المسلمين على مدى قرون بعد وفاة الرسول (ص) بالصراعات مع بعضهم بعضاً أولاً ومع المحتلين لاحقاً، وبانشغالهم في العصور المظلمة بالصراع من أجل البقاء، كل ذلك شغلهم عن التطور ومجاراة العصر وإعادة النظر في الموروث وتنقيحه مما علق به وكما ذكرت فإن هناك مفاهيم أصبحت لتواترها من المسلمات لا يعاد النظر فيها وهي في واقع الحال عند البحث نجدها تمثل انقلاباً على المفاهيم القرآنية ومن أهم هذه الموضوعات هو بالطبع موضوع المرأة وكل ما يتعلق بها فقد ظلمت أيما ظلم وأقصيت وكل ذلك باسم الشرع إلى أن جاء العصر الحديث وظهر المجددون من فقهاء وفقيهات أعادوا النظر في كل ما يتعلق بالمرأة وخرجوا بنتائج باهرة من مثل السيد محمد حسين فضل الله والمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين وآية الله مهدي المهريزي، والمرحوم الشيخ محمد الغزالي وفاطمة رحمائي وآية الله يوسف صانعي. وجود فقيهات مهم جداً من باب «ما حك جلدك مثل ظفرك»، وبالنتيجة أصبح لدينا فقه تقليدي وآخر تجديدي، بيد أنه من المهم وضع ضوابط لعملية البحث عموماً وإعادة النظر في منهجية البحث لسلامته كيلا نكرر الأخطاء فننقلب على روح القرآن مرة أخرى، لكن هذه المرة باسم التجديد.

No comments: