Tuesday, July 14, 2009

شيء من الإنصاف
عفاف الجمري

عجبي من بعض المثقفين، ومن أحد كتاب الأعمدة الناجحين، الذي ما فتئ يسخر من النساء ومن فكرة ترشيحهن وترشحهن ووصفه لدخولهن المجلس النيابي بدخول الجنس الناعم غافلا الجوانب الإنسانية الأخرى في المرأة، المشتركة بينها وبين الرجل، ومقتصرا على أنوثتها ونعومتها الجسدية، متصيدا لأخطاء بعضهن ليعممها على الجميع، في حين أنه من المفارقات أن إحدى المترشحات في لقاء لها مع أحد النواب السلفيين، شهد لها - من خلال تجربته - بحسن أداء الشوريات وجديتهن بحيث إنه - حسب رأيه - يفضل أداءهن على أداء من خبرهم من النواب. طبعاً هذا رأيه، والذي ليس أقل ما نخرج به من أنه واقعاً هناك نساء يفضلهن كثير من الرجال لا كل الرجال، ففي المجلس النيابي - والحق يقال - بعض من أثبتوا جدارتهم النيابية، ويذكرنا هذا القول بالقول المشهور عن توجان فيصل في البرلمان الأردني التي قيل عنها - والعهدة على أصحاب هذا الرأي - إنها ‘’الرجل الوحيد في البرلمان الأردني’’.
في الواقع هناك الكثير والكثير من الأمثلة المحلية والعالمية ماضيا وحاضراً من النساء المتفوقات على كثير من الرجال، فكما أنه في الرجال من يتوسم فيه الصفات القيادية منذ الصغر، فكذلك في النساء، وكما أن هناك من الرجال من يتطبع على التفاهات ويكون عقله أصغر من ذبابة، وهمه علفه كالأنعام كذلك من النساء، ولكن كون ميزان القوى واقعا في يد الرجال، هو الأمر الذي يجعل مثالب النساء بارزة ومآثرهن متجاهلة، بعكس الحال بالنسبة إلى الرجل، وبالعودة إلى مرجعيتنا الإسلامية نجد أن التاريخ الإسلامي يعج بالنساء الناجحات في مواقع قيادية توازي الشأن البرلماني مثال على ذلك الشفاء، وسمراء بنت نهيك اللتان وليتا أمر الحسبة في السوق، أي مارستا دور الرقابة والمحاسبة، وذلك في عهد رسول الله والخليفة عمر. وأيضا فاطمة الزهراء التي وليت في حياة أبيها مسؤولية صدقات وأوقاف النبي ومن بينها ‘’فدك’’ وهذا مروي في الروايات السنية والشيعية، وقولها المشهور في خطبتها ‘’وطاعتنا نظام للملة وأمان من الفرقة’’ ولم تقل طاعة رجالنا، بل شملت نفسها معهم.
قبل هذا وذاك، القصة القرآنية الشهيرة، التي تصف وتمتدح حنكة الملكة بلقيس في إدارة شؤون الحكم على مستوى راق، حكم به نظام شورى وعدم تفرد بالرأي، ثم تفوق حنكتها على حنكة رجال الشورى حولها، وإيصالها لقومها إلى بر الأمان، وبذلك يسقط حديث ‘’ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة’’ من الحسبان، لتعارضه مع صريح النص القرآني، الذي أشار إلى أن قوم بلقيس أفلحوا وقد ولوا أمرهم امرأة، هذا كله غير التصريح القرآني في الآية ‘’المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر’’ فلم لم يقتصر سبحانه على الرجال لولا علمه بقابلية النساء بالمستوى نفسه لأمر الولاية، ثم أنه سبحانه عندما تحدث في آية القوامة (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) فإنه لحكمة يعلمها سبحانه لم يستعمل لفظة أولياء بل قال قوامون لاقتصار القوامة على القيام بالشأن والرعاية والحماية، التي تختلف عن الولاية التي تعني الرئاسة والتصرف في الأمر، فلو قلنا فلان قيم على هذه البناية مثلا، فهو القائم على رعايتها وصيانتها وحراستها، أما وليها فهو مصرف في بيعها والاستثمار بها وكل شيء، ولذلك فإن من أمعنوا في سلب النساء حقوقهن القرآنية أخطأوا خطئاً ذريعا، ليس فقط في تفسير مفهوم القوامة وإنما في سحبها على سائر نساء المجتمع من قبل سائر رجاله، وبذلك يحرمونها من سائر حقوقها السياسية متناقضين مع آية ‘’بعضهم أولياء بعض’’ والحق فان كل من يمتلك كفاءة لعمل معين، وأمين في أدائه فهو يصلح له، سواء من الرجال أو النساء، وهذا هو المقياس الحق لاختيار النائب لو أبعدنا الأجندة الخفية التي لا يرضاها الله والتي تفتت - في النهاية- المجتمع، من طائفية وعرقية وجندرية، فالمقياس القرآني ‘’إن خير من استأجرت القوي الأمين’’ أي الكفء، النزيه ولا أشمل من هذين المعيارين .. ولا يفهم من هذا الحديث دعوتي إلى ترشيح النساء وترك الرجال، ولكن البحث عن الاكفأ رجلاً كان أو امرأة، ولئن كان الأكفاء من الرجال واقعاً أكثر من الأكفاء من النساء، فذلك عائد لحرمانهن من الممارسة القيادية في الميدان على مدى طويل، ولست مع الترقيعات بإيصال نساء لمجرد أنهن نساء لتلميع الصورة، وإنما مع فتح الباب للجميع، والبقاء للأكفأ.

تعليق
طباعة
إرسال
التعليق على الموضوع
الأسم
البريد
المكان
التعليق
يرجى مراعاة الأداب الإسلامية في الكتابة وعدم الاساءة إلى أي شخص علما أنه سيتم مراجعة النص قبل نشره.


تعليقات الزوار
1 احمد علي -القطيف
اسقطتي حديث رسول الله بكلمة انت يا اخت عفاف تجا زفين بنفسك وقد تهلكي نفسك من حيث لا تشعرين ففي كل مقال تقومين بتفسير القرآن على رايك وتقومين بلي الآيات لتناسب اهوائك (هل انت مرجع) حتى المراجع يخافون من الخوض في هذه الامور اتقي الله في نفسك
2 عفاف الجمري -البحرين
السلام عليكم ما أوردته هو خلاصة لبحوث فقهية لمراجع كبار مثل محمد مهدي شمس الدين و محمد حسين فضل الله و محمد مهدي الآصفي و فاطمة علائي رحماني و يوسف صانعي و من السنة محمد اغزالي و غيرهم و شكرا
3 حسين الهجري -الدمام
الاخت الفاضلة عفاف: انا على ثقة كبيرة بأخلاصك في البحث وتحري الدقة في النقل و الايمان ولكي خالص الشكر. مشاركتي من تجاربي في العمل كمهندس إستشاري واحتكاكي في العمل بمجموعة من الاخوات ووجدت فيهن: الجد-الكفاءة -الادارة و التخطيط السليم وكماذكرتي تاريخنا غني بالنماذج الواضحة ومرة اخرى لكي خالص التقدير و الدعاء بالتوفيق والسداد
4 محمد -اليمن
اختي الكريمة موضوع راع ......
عفاف لا تتركي المشاركات سنكون عون لكي انشا الله ....

No comments: