Tuesday, July 14, 2009

مؤسسة جامعة للإفتاء عفاف الجمري شأن الفتاوى شأن بحر متلاطم الأمواج، فمن فتاوى ترقى بالإنسانية إلى أعلى درجات السمو وتطيح بالجبابرة وتحرر الشعوب كفتوى تحريم التبغ الإنجليزي من قبل المرحوم آية الله الميرزا في إيران في القرن التاسع عشر وفتوى مقاطعة بضائع المستكبر وفتاوى إسقاط الشاه الإيراني من قبل آية الله الخميني ومحاربة المحتل البريطاني في العراق في بداية القرن العشرين وفتاوى محاربة اليهود المغتصبين من قبل الشيخ الشهيد عبدالقادر الحسيني ومحاربة المحتل الإيطالي في ليبيا من قبل الشيخ الشهيد عمر المختار إلى فتاوى تنحدر بالإنسانية إلى أدنى درجات الحضيض كفتوى إرضاع الكبير والتبرك (والعياذ بالله) ببول الرسول وحرمة مشاهدة «ميكي ماوس» ونكاح الرضيعة وأخيراً صدرت في الجزائر فتوى تحرم تسلم الراتب الشهري والقائمة تطول. وقد تجتهد الأطراف المتنازعة من سنة وشيعة، وتلك ظاهرة غير صحية في إظهار مثالب بعضها ويشهر كل طرف بالفتاوى المشينة للطرف الآخر أو يتصيد العلمانيون على الإسلاميين بعض تلك الفتاوى ويشهر بهم. إن هذه الفوضى تدعو حتماً العقلاء إلى التنبه لضرورة تقنين مسألة الإفتاء وتنظيمها، وألا يتصدى لها كل من هب ودب، لكن من دون أن يعني ذلك الاستبداد وإقصاء الجمهور، وإن الاعتراف بالأخطاء مرده الحرص على التقويم والتطوير وحماية الشريعة وليس بأمر يدعو إلى تخوين صاحبه. إن مبدأ «نفّذ ثم ناقش» قد لا يلقى الرواج الكبير كما كان سابقاً، فهو مطلوب من باب الحق بالتنظيم وإسناد الأمر لأهله، لكن مطلوب أيضاً إطلاع الناس على التفاصيل وحيثيات الفتوى عن طريق وسائل متعددة كإصدار دوريات وإجراء حوارات ومناقشات علمية والاستماع أيضاً لرأي الجمهور، فقد تغيب حيثيات ميدانية على المفتي. وهذا الجمهور يشمل مثقفين ومختصين في شؤون شتى وكذلك فإن عموم القواعد الشعبية أصبحت واعية ومثقفة لا يمكن أن تعامل كما في الأزمان السالفة بمنطق الطاعة العمياء للفقهاء دونما فهم ونقاش، ولأنه إن لم تتم مراعاة عقول الجمهور واحترامها فلا يلومن أحد بعد ذلك انفلال هذا الجمهور خصوصاً المثقفين منهم عن حاضرة الفقهاء، حيث إنه من غير المقبول عقلاً أن يوقف المرء عقله عن التفكر والتأمل في فهم الآيات (وذلك ما تدعو إليه الآيات باستمرار) بانتظار أن يفهمها المفتي ليلقنه ما فهم، ومن أمثلة الآيات الداعية للتدبر والتأمل: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كبيرا» النساء:.82 «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب».. «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها» محمد:.24 وقد قال القرطبي: «دلت هذه الآية على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه». نعم، قد يستساغ الاستعانة بذوي الاختصاص، لكن لا يستساغ تعطيل العقول بشكل تام، خصوصاً أن القرآن يعج بالآيات الآمرة بالتدبر والتأمل فيه - كما مر - فكيف نصرفها؟ والقرآن يذكّر بأن ذلك سهل علينا «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر» القمر: ,17 ونحن نعلم أن «القرآن حمال أوجه» كما يقال، وأن منه دلالات متوالدة لا متناهية على مر العصور تتوالد بتطور الأزمنة بما لا يخرجه عن روح الشرع، لذلك فإن القرآن قد ذكر قيماً وسنناً جعلته صالحاً لكل زمان. هناك رواية لأبي عبدالله الصادق (ع) في هذا الشأن، جميلة، حيث سأله رجل فقال: «عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ فقال (ع): يعرف هذا وأشباهه، من كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: ''ما جعل عليكم في الدين من حرج'' [الحج: ,78 امسح عليه»، فهو (ص) لا يلقنه الحكم بشكل آلي بل يعلمه كيف يستنبط الحكم مستقبلاً بنفسه في المواقف المشابهة، حيث إن الدين جاء لإسعاد البشرية لا لشقائها وكل ما يمثل حرجاً ينتقل عنه إلى الصورة التي لا تسبب حرجاً. إن من الفتاوى ما قد تكون مقبولة في زمان معين ثم يأتي زمان آخر فتبدل من فقهاء آخرين، بل قد تستهجن، وذلك ليس لنقص في عقل الفقيه السابق ولا لقلة إخلاص منه، إنما بسبب عامل الزمن الذي يعطي بتطوره نضجاً للأمم والأفراد كما ينضج الطفل عندما يكبر. وعليه، فإن إشراك جميع ذوي الشأن وتشاورهم يؤدي إلى تقليل الأخطاء وللاقتراب من الحكم الصحيح الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فالجمهور أصبح واعياً وكما يقال «العيال كبروا»، وخصوصاً مع الانفتاح العالمي على كل المستويات ووجود مختلف التيارات الفكرية والأيديولوجية، فمن حقه أن يفهم حيثيات الفتاوى ويناقشها بمختلف الوسائل، سواء عن طريق الدوريات أو الحوارات أو البحوث التخصصية المنشورة كما يفعل ذوو كل اختصاص، فالطبيب الناجح مثلاً هو الذي يتعامل مع المريض على حسب درجة وعيه، فإن كان بسيطاً يكتفي بإعطائه الدواء وفكرة عامة عن مرضه، أما إن كان على درجة من العلم والوعي فإنه يشعر بالإهانة إن لم يطلعه الطبيب على تفاصيل ودقائق مرضه وحيثيات وأسباب اختيار هذا الدواء والعلاج من دون غيره، بل قد يتشاور الطبيب والمريض في ترجيح علاج على غيره وكم من مريض خصوصاً في الأماكن ذات المستوى الحقوقي المتقدم بحث في مرضه فتوصل إلى علاج أنجع عند أطباء آخرين مما وصفه له طبيبه. وإذا كان ذلك فيما يتعلق بالطب فما بال ما يتعلق بنظام الحياة، إن المتلقي في الوقت الحالي وصل إلى درجات من الوعي كبيرة تؤهله - ومن دون أن تخرجه من دائرة الإيمان - أن يخوض حوارات مثمرة تنضج الفتاوى لا الأحكام؛ لأن الفتوى تختلف عن الحكم، فهي تحاول الوصول له وقد توفق وقد لا توفق. هذه الحوارات إيجابياتها تعم على كل الأطراف. إن عدم احترام عقل الجمهور المثقف قد يقود إلى تجاوز المفتين ممن هم على رأس الهرم في أي مجتمع، وعليه فالحلم - إن صح لنا أن نحلم - هو وجود مؤسسة إسلامية كبيرة للإفتاء، على مستوى العالم الإسلامي جامعة لكل طوائفه وتشمل الجنسين (المختصين بعلوم الشريعة من الرجال والنساء) وتستعين بالخبراء في كل المجالات لإنضاج الفتوى، وتنشر بحوثها بكل الوسائل وتسمح بالحوارات والنقاش، وتقبل النقد البناء وتجري مراجعة دورية للفتاوى السابقة والحاضرة نافية عنها صفة التقديس؛ لأنها ليست قرآناً وإنما هي جهد بشري.

تعليق طباعة إرسال التعليق على الموضوع الأسم البريد المكان التعليق يرجى مراعاة الأداب الإسلامية في الكتابة وعدم الاساءة إلى أي شخص علما أنه سيتم مراجعة النص قبل نشره. تعليقات الزوار 1 احمد علي -الاحساء بما ان الفتوى متغيره بتغير الزمان والمكان ومثلما قيل لكل زمان رجال ودول وهذا هو سبب اصدار مثل الفتاوى المخجلة التى جعلت منا محل سخريه لدى الغرب مثل فتوى ميكي ماوس اقترح ان يكون هناك تصويت على الفتوى مثلما هناك تصويت على الدستور لدى الدول المتطورة لكون المفتى شخص غير منزه عن الخطا ولكن هذا سيذهب الهالة الكبيرة حول المفتى من قبل الناس وسنرجع من جديد نبحث عن الاعلم .وليس هناك حل من اخذ الفتاوي من الاعلم ليس ممن هب ودب

No comments: