فزاعة) ولاية الفقيه.. مرة أخرى
عفاف الجمري
وإن كنت أعلم سلفاً أن إثارة موضوع ولاية الفقيه بالشكل الذي تم في الآونة الأخيرة إنما كان لأغراض سياسية بحتة وليست دينية، بغرض صرف الانتباه الشعبي عن الملفات الساخنة التي هي بصدد أن تطرح من قبل المعارضة والمتمثلة في: التمييز واستجواب عطية الله والتجنيس، ولكن لا بأس من الكتابة في هذا الموضوع ليس بغرض الدفاع أو الهجوم، ولكن للتوضيح وإعطاء فكرة مبسطة للإخوة القرّاء سنة وشيعة الذين يضيق وقتهم عن البحث وليفتح لديهم شهية البحث بغية التلاقح الفكري الصحي، وليسددوني إن لحظوا تقصيراً، والموضوع بشكل أشمل من المطروح هو: أصول الحكم في الإسلام، فكما نعلم أن الإسلام دين شامل لكل مناحي الحياة وفيه أسس ثابتة لا تتبدل بمر الزمن ووردت نصاً كالعبادات مثلاً، ولكن هناك مناطق فراغ تشريعي لم يرد فيها نص محدد تركت للمختصين أن يملؤوا فراغها بما يتلاءم مع كل عصر ولا يتناقض مع المبادئ الإسلامية الثابتة ومن هذه «نظرية الحكم»، فمن يحكم؟ وما أسس اختياره؟ وكيف يحكم؟ أجاب على ذلك فقهاء الفريقين على مر الزمن منذ وفاة الرسول (ص) بإجابات مختلفة وظهرت نظريات عدة، فمما ذهب له فقهاء السنة:
.1 اختيار أهل الحل والعقد: وممن تبنى هذه النظرية القاضي أبوبكر الباقلاني، والأيجي وعبدالقاهر البغدادي الذي يقول في كتابه «أصول الدين» ص: 280 «إن الإمامة تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الاجتهاد والورع، إذا عقدها لمن يصلح لها، فإذا فعل، وجب على الباقين طاعته» ومنهم من ذهب إلى أنها تنعقد بخمسة كما في بيعة الخليفة أبي بكر أو ستة كما فعل الخليفة عمر.
.2 العهد من الإمام السابق: كما ذهب إلى ذلك الماوردي في «الأحكام السلطانية»، والباقلاني، وأبوالحسن الأشعري.
.3 الاستيلاء (ويسمى أيضاً «فقه الغلبة»): كما ذهب، إلى ذلك القلقشندي، وأبوحامد الغزالي في كتابه «الاقتصاد».
هذا بإيجاز عند الفقهاء السنة على اعتبار أن الرسول (ص) لم يعين خليفة بعده، فعلى الأمة أن تجتهد بطرق لاختيار الخليفة.
أما بالنسبة إلى الشيعة الإمامية فهم يرون أن الخليفة قد تم النص عليه من قبل الرسول (ص) وهو الإمام علي ومن بعده ولده الأحد عشر، واحداً بعد واحد حتى الإمام المهدي الذي غاب غيبة كبرى يخرج حين يأذن الله كما المسيح (ع) والخضر (ع)، وعلى ذلك فإن الاجتهاد لديهم يبدأ بعد الغيبة الكبرى وليس بعد وفاة الرسول (ص)، وقد كانت لديهم نظريات أيضاً في هذا الشأن، ولكنها جاءت في عصور متأخرة نسبياً، حيث كانوا يستشكلون قديماً على مسألة تولي الحكم، حيث يرون أن الإمام الغائب هو الخليفة الشرعي، وأن الفقهاء ينيبونه في كل مهماته التبليغية وما يتعلق بحفظ العقيدة والشريعة وإدارة أمور الطائفة الشيعية فيما يتعلق بالخمس والقضاء من دون الوصول إلى مسألة تسلّم الحكم لأن فيها إسالة للدماء ولا ولاية لهم على الدماء إلى أن جاء فقهاء متأخرون توصلوا لنظريات في الحكم، مثل:
.1 نظرية آية الله محمد حسين النائيني (1273هـ - 1355هـ): يرى أن رأس السلطة يجب أن ينتخب بالاقتراع المباشر أو غير المباشر من قبل المجالس المنتخبة التي تراقبه وتمنع تفرده واستبداده، كما ينادي النائيني في كتابه «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» بضرورة وجود الدستور الذي عبر عنه بأنه «أعلى القوانين، وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد، وأنه يحدد صلاحيات الحاكم ويعرف حقوق الشعب وحرياته»، وذهب إلى وجوب مقاومة الحاكم المستبد، كما دعا إلى ولاية الأمة على نفسها، وعدم حصر الرقابة والمحاسبة في الفقهاء، بل من خلال النواب المنتخبين في مجلس الأمة، وأن السلطة والممارسة السياسية هما شأن عام لجميع أفراد المجتمع وليستا حصراً على الفقهاء، وأن المواطنة هي القاعدة التي تقوم عليها الحقوق لأفراد المجتمع وليس الدين، ولذلك فإن الذميين ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، بل الأولى.
.2 نظرية ولاية الفقيه: أول من نادى بهذه النظرية هو الشيخ أحمد النراقي المتوفى سنة 1245 هـ، ونادى بها أيضاً أحد فقهاء السنة وهو عبدالملك الجويني المتوفى سنة 478 هـ، ثم نادى بها الإمام الخميني وطبقها بعد نجاح الثورة في إيران العام ,1979 وهو يرى أن للفقيه (النائب العام للإمام الغائب) جميع صلاحيات الإمام المنصوص عليه الذي له جميع صلاحيات الرسول ماعدا التشريع طبعاً، فصلاحياته تبليغية وأن يتسلّم الحكم وله ولاية عامة على الناس وطاعته واجبة عليهم. بيد أنه عملياً لم يتصد للحكم بشكل مباشر، بل كان مراقباً للحاكم المنتخب من قبل الشعب بحسب مواصفات حددها الدستور الذي تمت صياغته، كما أسس مجلساً للخبراء من الفقهاء المعاونين له على تشخيص الأمور، وعلى أساس الدستور تمت إدارة البلد بمؤسسات منتخبة. وبحسب هذه النظرية، فإن ولاية الولي الفقيه واجبة على كل المسلمين في كل الأقطار، أما كيف يحكم الأقطار الأخرى؟ فإنه بحسب النظرية يجب أن يعين له نائباً لكل قطر يتم الإعلان عنه رسمياً، ويوثق ذلك بكل الوسائل الكتابية وغيرها وليس بشكل سري لكيلا يدعي شخص ما النيابة بلا دليل. تطبيقاً على ذلك، فإنه واقعاً لا يوجد حالياً نائب للولي الفقيه خارج إيران إلا السيد حسن نصر الله. وقد يتساءل القارئ إذاً لماذا هذه الزوبعة في البحرين بين الحين والآخر؟ نقول إن أي سياسي فطن يعلم أن بث هذه الفزاعات التي لا أساس لها بين الحين والآخر ليس إلا لتخويف السنة من الشيعة كيلا يتحدوا ويطالبوا بحقوقهم المشروعة كما حدث في الخمسينات من القرن الماضي وفي بداية التسعينات، فولاية الفقيه ما هي إلا إحدى النظريات لدى الفقهاء الشيعة وغير ملزمة ولم يجمع عليها فقهاء الشيعة لا السابقون ولا الحاليون، وأن شيعة البحرين بحركتهم سواء في التسعينات أم حالياً إنما هم أقرب ما يكونون لنظرية المرحوم النائيني، فحركتهم حقوقية وطنية شيعية سنية، أما المفارقة فإنه إذا كان مجرد وجود كيان سياسي شيعي يؤمن بها ويطبقها مدعاة للاتهام فإن زعيم تنظيم القاعدة بن لادن أيضاً يطبقها سواء أسماها ولاية أم لا، فهو يعين وكلاء باستمرار من مثل الزرقاوي سابقاً ومن خلفه لاحقاً، ويبث لهم أوامر متلفزة ليست سرية ونسمع عن اعتقال أشخاص من الداخل بين الحين والآخر، بتهم صحت أم لم تصح، فهل هذا مبرر لإحداث الشرخ في اللحمة الوطنية؟ ومن المستفيد؟ عشنا أحبة زمناً طويلاً، ويسعى الآن المتلبسون لتفتيتنا بوسائل لا تخدع عاقلاً.
Tuesday, July 14, 2009
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment