Tuesday, July 14, 2009

العنف ضد النساء.. ألا يشكل هاجساً؟
موقع المطيرفي - عفاف الجمري - 03/05/2009م - 7:36 ص | مرات القراءة: 90
--------------------------------------------------------------------------------

في أحدث إحصاء لـ مركز «بتلكو» لرعاية حالات العنف الأسري لعدد ضحايا العنف الأسري التي أبلغت إلى المركز من يناير/ كانون الثاني 2006 إلى ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، قدرت عدد الحالات بنحو 81 حالة عنف تعرض إليها رجال و372 حالة تعرضت فيها المرأة إلى العنف، إضافة إلى 133 حالة تعرض فيها أطفال إلى العنف. وقد بلغت النسبة الرسمية للنساء المعنفات في البحرين في العام 2004 وحده 1344 حالة، ناهيك عما خفي. ونظراً إلى تفاقم هذه الظاهرة والحال المتردية التي وصلت إليها المرأة في عالم اليوم، فقد تبنت منظمة العفو الدولية في مارس/ آذار 2004 إطلاق حملة عالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، وعممت فيها تقريرها المفصل تحت شعار «مصائرنا بأيدينا.. فلنضع حداً للعنف ضد المرأة»، الذي سلطت فيه الضوء على مسؤولية الدولة والمجتمع والأفراد لوضع حد للعنف ضد المرأة.

وفي إحدى المرات، عرضت إحدى القنوات العربية استفتاءً مصوراً على شريحة واسعة من المجتمع العربي تشمل مثقفين ورجال دين وآخرين في مناصب حساسة ومن بينهم قاضٍ في إحدى الدول العربية الطليعية، فكان يقول «نعم الضرب شيء ضروري للنساء فهن لا يتأدبن إلا بالضرب». ومعظم النساء اللاتي شملهن الاستفتاء (60% أو أكثر) قلن «الضرب من حق الرجل على المرأة»، والأخطر في هذه المسألة أنها تُشرعن حتى أصبحت كأنها من المسلمات في الشرع ولا يعاد النظر فيها مع أنه ليس من عاقل متجرد إطلاقاً يمكنه أن يوفق بين كون الإسلام دين العدالة والرحمة والسماحة (والرفق بالقوارير) والمساواة الإنسانية بين الذكر والأنثى والداعي إلى حسن معاشرة النساء (وعاشروهن بالمعروف) وبين إدعاء شرعية ضرب النساء.
فلنقر أولاً بأن التجربة الإسلامية لم تأخذ كامل حقها في التطبيق والتطبيع إلى أن تنمحي من ذاكرة المسلم كل جاهلية قبل الإسلام، فعشر سنوات هي عمر دولة الرسول (ص)، (على رأي الشيعة) ولنضف إليها ثلاثين سنة عمر الخلافة الراشدة (على رأي السنة) هي غير كافية إطلاقاً لتطبيع دين جديد وتوضيح كل ما يتعلق به. وإن كفت فإن الصراعات السياسية التي حدثت لاحقاً والفتوحات وما أعقبها من انفتاح على الثقافات الأخرى كل ذلك أدى إلى كثير من التشويه والتشويش واختلاط الثقافات ودخول ما يسمى «الإسرائيليات» وغيرها، ومع ذلك تبقى هناك أسس يمكن من خلال إعمالها تبين الحقائق، فالقرآن - ولله الحمد - ثابت سالم من التحريف (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وعقل الإنسان الذي هو كما ورد حجة لله علينا وهو الرسول الباطن يساعد أيضاً خصوصاً مع تلاقح العقول وتطور الزمن الذي يعطي نضجاً كلما مر الوقت ومع الاستناد إلى السنة التي نستطيع فرز ما علق بها من تحريف بعرضها على القرآن، فما وافق منها القرآن فهو بلا شك سالم من التحريف وما عارض صريح القرآن فهو دليل واضح على أنه من تسطير بشر أو فهمهم الناقص أو المتأثر بالجاهلية القديمة أو باختلاط الثقافات الأخرى. من هذا المنطلق، فلنعيد النظر في موضوع ضرب النساء، فالله سبحانه ابتداءً ساوى من حيث الإنسانية بين النساء والرجال، والآيات الدالة كثيرة، منها «إن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى» (آل عمران: 195). ثم إنه سبحانه جعل من الآيات الدالة على عظمته، والتي يدعو إلى التأمل فيها هي العلاقة الزوجية القائمة على الحب والانسجام والرحمة «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» (الروم:21)، وقال في آية أخرى «وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً» (النساء: 19) والرسول (ص) يقول «رفقاً بالقوارير»، ولما سئل عن القوارير قال «النساء». وقد ورد في الحديث «من مّد يده إلى زوجته ليلطمها فكأنما مدها إلى النار».
أما الآية التي يُستند إليها في تشريع الضرب، فهي «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً» (النساء: 34). أي اللاتي تخافون من الأضرار التي يؤدي إليها نشوزهن، والتي تتمثل في تفكك الأسرة وانتهائها، وهو أسوء ما يمكن حدوثه والنشوز هو كالأعمال بالغة الفحش التي لا يمكن أن تستقر معها الأسرة، فما العلاج؟ هل هو الطلاق مباشرة وهو دمار للمجتمع لو تم اللجوء إليه لحل الإشكالات الأسرية؟ أم أن هناك طرقاً علاجية تحول دون الوصول لهذه المرحلة؟ يقول المفسرون إن هناك 3 مراحل علاجية:
أولاً: النصح والعظة، وهو يوازي الحوار، وهذا لا خلاف فيه.
ثانياً: الهجران في المضجع، أي يشارك الزوج زوجته الفراش ولكن يهجرها، وهذا ما لا شك فيه له أثر نفسي سيئ بالغ عليها ولا خلاف فيه أيضاً.
ثالثاً: المرحلة الأخيرة بعد الأوليين: الضرب، ويضيف المفسرون ومنهم ابن عباس تفاصيل بألا يكون مبِّرحاً وأن يكون بالسواك (أي رمزياً) ولكن والخلاف هنا: هل يستطيع أيُّ كان أن يضرب رمزياً؟ إن المؤدب هذا على افتراض حكمته وهدوء أعصابه مجرد أن يبدأ بالضرب فإنه لن يتمالك نفسه، خصوصاً إذا كان الموضوع بالغاً في الفحش، ومن يستطيع أن يتمالك نفسه ثم أنه من يلتزم بهذه الضوابط، بل من يحددها، فالضرب أصبح لأتفه الأسباب وحتى لأسباب تكون فيها المرأة هي صاحبة الحق فيها، ولا أحد يتبع هذه المراحل الثلاث، والضرب حتى لو كان رمزياً فيه إهانة للمرأة ويذهب أي أثر للمودة والاحترام بين الزوجين وتصبح العلاقة آلية. ولو كان هذا هو التفسير الصحيح، لكان الرسول (ص) أول من يطبق هذا الأمر لأنه أمر لا تخيير فيه، والرسول (ص) سيرته هي المفسرة للقرآن وقد قالت عنه أم المؤمنين عائشة عندما سئلت عن خلُقه «كان خُلقه القرآن»، والله سبحانه يقول «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر»، والرسول (ص) حدث في حياته مرة ، أو بالأحرى ما ذكر في القرآن أنه تعرض إلى النشوز من قبل بعض زوجاته، حيث اتفقن مع بعضهن على أن يطالبن برغد العيش من رسول الله (ص) وحصل ذلك ووصلَ الخلاف أوجه إلى أن استاء الرسول (ص) فهجر بيوت زوجاته إلى المشربة شهراً كاملاً، وقد قال سبحانه عن ذلك «يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً». و«عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً» (التحريم: 5). ولو كان الرسول (ص) فعل خلاف الأولى، أي أنه كان عليه أن يضرب ولم يضرب، لذكر سبحانه وتعالى ذلك صراحة في القرآن كما هي العادة وللامه فـ «الله لا يستحي من الحق» (الأحزاب:53). وقد لامه سبحانه في مواضع فعل فيها خلاف الأولى كما كان مثلاً: في سورة الأحزاب «وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه» (الأحزاب:37) في موضوع الزواج من زينب بنت جحش. وقد ذكر رئيس معهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن الدكتور عبدالحميد أبو سليمان تفسيراً جميلاً ينسجم مع واقع سيرة الرسول (ص) حين يذكر أنه بحث لغوياً في معنى الضرب فوجده على 17 معنى، فقط معنى واحد منها هو الضرب بمعنى العنف، ومن معاني الضرب بمعنى الإعراض والهجر والعزل والمفارقة والإبعاد والترك. كما ذكر أن الرسول (ص) عندما نشزت عليه زوجاته هجرهن إلى المشربة شهراً كاملاً ولم يضربهن، وأن تفسير الآية هو اللجوء لثلاث مراحل تأديبية:
.1 العظة.
.2 الهجران في الفراش.
.3 هجران بيت الزوجية.
لتكون المرأة الناشز وجهاً لوجه بشكل ملموس مع النتيجة التي ستؤول إليها الأسرة إن لم ترتدع عن سلوكها ولينبهها ذلك من الغفلة. والحق أن هذا التفسير تنسجم مع سيرة الرسول والعقل والفطرة ولا يخدش كرامة وإنسانية المرأة كشريك مساوٍ للرجل لا كعبدة، فإذا تم اتباع هذه المراحل فإنها تفيد، فالعظة أولاً ثم الهجران بالابتعاد يفيد في التنبيه إلى النتائج الملموسة التي سيؤول إليها الحال نتيجة هذا النشوز والواقع يشهد بأن لا شيء أبلغ أثراً في نفس الزوجة من هذه المراحل، وفيها عودة إلى الرشد ومن دون خدش لكرامة المرأة.
نحن بحاجة إلى وقفة جادة وخطوات عملية للتصدي للمشكلة بشكل رسمي ومجتمعي إن أردنا مجتمعاً صحياً، فالأسرة نواة المجتمع.


--------------------------------------------------------------------------------



التعليقات «1»


عبدالله المالكي - العراق [الأحد 03 مايو 2009 - 8:12 ص]
جزاك الله خيراً.. أخت عفاف.. ومن الأسباب التي جعلت نظرة المجتمع للمرأة كما في وقتنا الحاضر والعصور السابقة هو النظرة السطحية لتفسير الآيات التي تطرقت لأمرها.. طرح رائع.. أكرر لك شكري.

No comments: