هل التشريع لخدمة الإنسان أم الإنسان لخدمة التشريع ؟
موقع المطيرفي - عفاف الجمري - 06/05/2009م - 8:17 م | مرات القراءة: 54
--------------------------------------------------------------------------------
في حادثة طريفة لها دلالتها روى لي أحد المثقفين العرب و هو يحمل أكثر من شهادة ماجستير و أكثر من دكتوراه ، مغترب عن بلده و يدرس في إحدى الجامعات الخليجية ، و باعتبار أن تخصصه في الشريعة الإسلامية فإن البكالوريا ( المرحلة الثانوية) هي سنتان فقط و ليست ثلاث كباقي التخصصات ، يقول بأنه التقى برئيس بلده في الخارج ، فعرض عليه الرئيس منصبا دبلوماسيا فقبل و عاد لبلده ، و لكنه فوجئ هناك بأن من متطلبات هدا المنصب هو أن يمتلك شهادة ثالث الثانوي . شرح لهم بأن لديه أكثر من دكتوراه و قد تخرج على يديه الكثير من الطلبة الجامعيين ، فقالوا له بوجوب تطبيق القانون بشكل حرفي مما اضطره و هو الأستاد الدكتور للدراسة بالانتساب لنيل الثانوية العامة !!!!
هده العقلية - للأسف - موجودة في كل مكان خصوصا في العالمين العربي و الإسلامي و في كل المجالات و المؤسسات الحكومية على وجه الخصوص و التربوية على الوجه الأخص . فالاهتمام بحرفية القانون يأتي على حساب فهم روحه و مقصده مما يؤدي بالنتيجة للانحراف عن غايته ، و القاعدة الأسلم هي كما يقال ( الناس قبل القانون ) بمعنى تطويع القانون لخدمة الناس و مصلحتهم و ليس العكس .
كدلك فإن مصاديق هدا التوجه لاتقف عند هدا الحد بل تغوص عند الكثيرين إلى الفقه الإسلامي فتجمده عند حدود زمن الرسالة بغض النظر عن مطابقة هدا الفقه لروح القرآن أم لا فنجد مفاهيم فقهية غريبة عن روح القرآن تلبس على الشخص المتدين إلباسا فتبعده عن كل معنى لتحرك الزمن و تطوره و تجمده و توقف الاجتهاد الإيجابي الدي يصب في مصلحة الإنسان في حدود الثوابت و القيم القرآنية و تتمسك بالفقه الحرفي بغض النظر عن مدى مطابقته لروح القرآن و قيمه ، فكل ما لم يرد في عصر الرسالة يرفض تحت عنوان ( البدعة ) و نحن نرى أن العصر يتطور تطورا رهيبا كل يوم و المسلمون ( مكانك سر ) بسبب هدا التوجه . ففي كل المجالات المسلمون بحاجة لأن يتصدى المختصون بالشريعة بمساعدة الخبراء في الميادين المختلفة للاجتهاد الايجابي الدي يأخد بمقاصد الشريعة و القيم و الثوابت القرآنية لمسايرة التطور السريع في كل المجالات السياسية و الاقتصادية و العلمية و الطبية و غيرها ليبرهنوا للعالم أن الإسلام صالح لكل زمان و مكان ، و عدم الرفض لكل ماهو جديد دونما عرضه على الثولبت و القيم القرآنية . نحن نسمع في بعض الدول الفقيرة كتايلند تطورا طبيا كبيرا متمثلا بتخزين الخلايا الجدعية التي تؤخد من الحبل السري الدي سيلقى في القمامة في كل الأحوال ، و الاستفادة منها في علاج الكثير من حالات الشلل و الجلطة الدماغية و الكثير من الأمراض الميئوس منها و التي أظهرت النتائج لحد الآن بعض التطور بينما في إحدى الدول الإسلامية الطليعية تغلق مركز أبحاث مشابه . العصر الحديث جاء بحلول مبتكرة للعقم كالاستنساخ و تأجير الأرحام و حلول تجميلية لمن يعانون من التشوهات ، كفقدان الأطراف أو تشوه الوجه عن طريق التبرع من شخص مات حديثا ، كدلك عمليات تجميل الوجه و الجسم ، و بغض النظر عن مدى قربها أو بعدها عن روح الشرع فإنها بحاجة لاجتهاد إيجابي نزيه و اع يأخد بروح القرآن و مقاصده و لا يكتفي بالرفض التلقائي لكل أمر حتى أصبحت دائرة الممنوعات أكثر من المباحات و كأنما خلق الإنسان لخدمة قوانين لا تسعده و ليس العكس بأن غرض التقنين خدمة لمصلحته ، فنجد أن التحريم يصل حتى لتجميل المرأة حاجبيها و حلق شنبها (لمن كان لديها شنب ) تحت عنوان تغيير خلق الله . إن أصحاب هدا التوجه يتمسكون بآية ( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ) و يأخدون بالمعنى الظاهري و ينسون ( و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) و العبادة هنا ليس كما فهموا و إنما هي الاستقامة على الطريق الموصل للكمال الروحي ، و المعنى الدي يريدونه يتناقض مع كل المعاني في القرآن فضلا عن الكثير من الأحاديث ، الله سبحانه يقول :
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم) الآية وقوله تعالى: ( وربك الغني ذو الرحمة) الآية ، فالتكاليف ما هي الا سبب في مصلحة الانسان وسعادته فهي اذن رحمة للانسان .
إن الأديان السماوية بكل أنظمتها وتشريعاتها، جاءت من أجل خدمة الإنسان وسعادته ، فهي تشريعات تصون الإنسان وتحمي حقوقه ، لذلك نجد أن القرآن الكريم أنكر على أهل الكتاب تنازلهم عن حقوقهم المشروعة وحرياتهم الإنسانية التي ولدوا عليها، ورضوا بالعبودية لرهبانهم وأحبارهم الذين تبوؤا سلطة التشريع بدل الله سبحانه وفي هذا يقول عز و جل : (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) .
من الواضح في المضامين القرآنية اعتبار الإنسان محوراً للخلق العاقل «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» (البقرة: 34) وكذلك «ولقد كرّمنا بني آدم» (الإسراء: 70
و هو أكرم المخلوقات حيث نفخ فيه سبحانه من روحه، وهو الوحيد من مخلوقاته جل وعلا الذي اختاره ليكون خليفته في الأرض، وكرمه بالعقل وسخر له ما في السماوات وما في الأرض
وعلى هذا فإن جميع القيم والتشريعات الإسلامية، جاءت من أجل تحرير الإنسان وحمايته وتكريمه والسمو به في مدارج الكمال و هدا هو معنى ( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون ) ، لذلك قرر الفقهاء ممن يتبنون هدا الاتجاه ، أن أحكام الشرع تدور مع المصلحة وجودا وعدما فحرصوا على الاجتهاد آخدين بمقاصد الشريعة بعين الاعتبار مع مصلحة الانسان و المجتمع ، مستندين على قوله تعالى ( و أصلح و لاتتبع سبيل المفسدين ) و قوله ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) و قوله ( و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .
إن من أمثلة هؤلاء الفقهاء الآخدين بالفقه المقاصدي فقهاء كبار من السنة و الشيعة قدماء و حديثين مثل :
الصدوق و الحر العاملي و الشاطبي و الشيخ الغزالي و السيد محمد باقر الصدر و الشيخ محمد مهدي شمس الدين .
Tuesday, July 14, 2009
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment