Tuesday, July 14, 2009

المرجعية وولاية الفقيه 2-1
عفاف الجمري

كثر الحديث في الآونة الآخيرة عن مصطلح المرجعية ومفهومها، وولاية الفقيه وعلاقتهما ببعضهما، وما لهما وما عليهما، ومن أهم ما أجج هذه الإثارات إعلامياً حوادث لبنان وعلاقة حزب الله بإيران، ومحلياً الانتخابات المقبلة ومشاركة جمعية الوفاق فيها.
المرجعية في الفقه الشيعي مصطلح أشمل من ولاية الفقيه: فهي ببساطة الرجوع في الأمور العامة والخاصة للفرد والأمة لعالم الدين الذي يمتلك الرصيد الأعلى بين أقرانه من علماء الدين في العلم والنزاهة والرشد والتقوى، والالتزام بفتواه باعتبارها الأقرب للحكم الصحيح الذي يعلمه الله، حيث إنه ‘’ما من واقعة إلا ولله فيها حكم’’،
قد يكون هذا الحكم صريحاً في القرآن أو السنة الصحيحة أو مستنبطاً بوسيلة عقل المرجع استناداً على القواعد الفقهية العامة المستخلصة من الكتاب والسنة الصحيحة، وهنا يطرح إشكال وهو: ما الذي يضمن للعامة أن هذا المرجع هو الأعلم أو الأتقى والأرشد؟ وحتى لو كان كذلك، هل ينفي ذلك عنه النقص، على اعتبار أنه ما هو إلا بشر في النهاية؟
فتكون الإجابة العملية هي تعدد المراجع، كل يختار مرجعه بحسب قناعته المستندة على شهادات الخبراء بأنه الأعلم، أو أنه يكون متجزئاً في الأحكام الفقهية الشخصية بأكثر من مرجع، وملتزماً بواحد في الأمور السياسية العامة باعتبار أن ذلك أسلم للعقد من الانفراط، وفي كل الأحوال فإن العوام بفطرتهم يتجهون ويميلون للتجمع حول جهة واحدة من باب ‘’قلدها عالم واطلع سالم’’.
أما ولاية الفقيه فهي نظرية كان لها إرهاصات قبل الإمام الخميني (ره) ولكنه أول من بلورها بشكل حرفي، ووضع أسسها النظرية وطبقها عملياً. فقد دأب فقهاء الشيعة قبله على مدى أربعة عشر قرناً يبتعدون عن فكرة تسلم زمام الحكم، فهم قد يدخلون في السلطة التنفيذية كوزراء أو ‘’التشريعية’’ كنواب برلمانين أو كمستشارين أو حتى ‘’القضائية’’، ولكنهم يشكلون على أنفسهم تسلم زمام الحكم أو السعي له باعتباره من صلاحيات الرسول (ص) ثم الأئمة المعصومين (ع) فقط وفيه مافيه من إسالة الدماء التي هي من أكبر المحرمات التي لا يتحملون تبعاتها فكانوا يرون أن الفقيه له ولاية على العامة فقط في الأمور الفقهية الشخصية التي لا ترقي للدم ولا للحكم، ولكنهم بعد بحوث نظرية كثيرة ومناقشات حوزوية على مدى سنين توصلوا إلى أن الفقيه الأعلم الأتقى هو أولى من يتسلم زمام الحكم بعد الرسول (ص) والمعصومين (ع) ووضعوا أسساً نظرية وادلة شرعية لذلك من الكتاب والسنة، بل إن أحد الباحثين وهو الشيخ علي الكوراني ذكر أن نظرية ولاية الفقيه ليست شيعية بحتة وإنما هي سنية أيضاً، وأتى بأدلة من الفقه السني على وجوبها وعلى أساس نظرية ولاية الفقيه يتصدى الفقيه ‘’الجامع للشرائط’’ لإقامة دولة إسلامية على بقعة من بقاع الأرض وبذلك تكون ولايته واجبة على جميع المسلمين، يبايعونه ويأتمرون بأمره ويكون له جهاز إداري كالشبكة في كل أنحاء الأرض يوصله بقاعدته، والولاية هذه يفضل أن تكون في الامور السياسية العامة، إضافة إلى الشخصية الفقهية الخاصة، ولكن عندما لا يكون هذا الفقيه هو الأعلم في الفقه ولكنه على رأس الدولة الإسلامية والأرشد في السياسة فبإمكان العامة تقليد مرجع آخر أعلم في الفقه، لكن يلتزمون في الأمور العامة بالولي الفقيه. كانت هذه هي نظرية الإمام الخميني (ره) التي على أساسها ارتبط حزب الله بهم في البداية، ولكن بعد ذلك تطورت المفاهيم، فمنذ البداية كان هناك من الفقهاء مثل السيد محمد حسين فضل الله الذي لم يرتئي ولاية الفقيه على أنها لفقيه واحد وإنما لكل مرجع توافرت فيه الشروط، فهو يرى التعدد ثم عدل بعد ذلك حديثاً إلى أنه لا حاجة إطلاقاً لولاية الفقيه السياسية، وإنما يستعاض عنها بمجالس الشورى والخبراء الأتقياء الراشدين، أما الشيرازي (ره) فكان منذ البداية يرى فكرة ‘’شورى مراجع التقليد’’ كبديل عن ولاية الفقيه، وحتى حزب الله عاد فأحدث نقله في سياسته عندما قرر الدخول في الحكومة غير الإسلامية والانخراط فيها على أساس أنها الوطنية وبقيت الحكومة الإسلامية في إيران فقط لإعطاء الشرعية الإلهية في الجهاد بالنفس في وجه إسرائيل. ومما يكثر منتقدو المفهومين من طرحه هو ترسيخها للطائفية أو السعي للهيمنة.
والواقع يرد على هذا الطرح فإذا كان تنظيم الأمة على أساس خلايا كل خلية ينتظم فيها المتجانسون من توجه واحد، تنظم نفسها لتتحد مع بقية الخلايا ضمن الهدف العام للأمة، لا خلافه ولا ضد خلايا جسد الأمة الأخرى، فإن ذلك فيه انتظام يدفع للعمل بشرط عدم التآزر ضد الأخوان داخل جسد الأمة وهذا لم يشهد به الواقع، فلا حزب الله وجه سلاحه أبداً ضد إخوانه اللبنانيين أو غير اللبنانيين من أبناء الأمة العربية والإسلامية، بل ولم نرَ ذلك في أدبياته بل إنه كان ضد الحرب على العراق منذ البداية على رغم مجازر صدام في الشيعة والأكراد، ولم يثبت أيضاً أنه يحاول الهيمنة على الطوائف الأخرى في لبنان، بل سعى حزب الله لتثبيت أركانه وحماية نفسه وأرض لبنان بالسلاح، ووجود إسرائيل، مجرد وجودها في الوجود يعطي الشرعية لكل من حولها بحمل السلاح، بل وأحسن أنواع الأسلحة حتى النووية إن أمكن، فإسرائيل تمتلكها ومن حق المتخاصمين أن يسعيا لتوازن الرعب بينهما
أما في العراق هناك مرجعيتان: الشيعة ملتزمون بالمرجعية (وليس ولاية الفقيه) ومرجعيتهم السيد علي السيستاني، والسنة ملتزمون بمرجعيتهم المتمثلة في (تجمع علماء المسلمين)، وليس في ذلك ضير بشرط عدم استهدافهم لبعضهم، وبالتنسيق بينهم ولكن الواقع للأسف غير ذلك، أما في البحرين فقد جرت العادة منذ القدم شيعياً على أن يتبعوا العلماء البارزين المشهورين بالعلم والتقوى وخدمة العامة وكل عالم له مجال نفوذ يزيد أو يقل أو يشترك به مع غيره، وقد يزيد نفوذ عالم على الآخرين لاعتبارات معينة.
وقد تمت في السنوات الأخيرة مأسسة هذا التوجه عبر إنشاء المجلس العلمائي الذي يضم مجموعة من العلماء يتصدون بشكل منظم للشأن العام دون التفصيلات، فقط في الأمور المفصلية، وكثيراً ما تطرح إعلامياً بشأنه إشكالات: أليس هو جهة مستقلة غير منضوية لسياسات البلد؟ أليس يمثل إلغاءً لعقول الأفراد يتحكم فيهم رأس المجلس؟ أليس هذا يمثل إلغاءً للجهات العلمائية الأخرى غير المنضوية تحته، وإلغاء لحرية رأي الآخرين؟ أليس هذا تكريسا للطائفية؟ أليس فيه تدخل إيراني سافر؟
هذه الإشكالات تطرح باستمرار والرد عليها لا يحتاج إلى إعمال فكر، أما عن كونه تكريسا للطائفية فذلك كما ذكرنا لا ضير منه إلا إذا كانت برامجه موجهة ضد الطائفة الثانية، أما إذا كانت فقط بغرض تنظيم الأمور ضمن الأهداف العامة للأمة وفيها تنسيق أيضاً مع الطائفة الثانية فذلك جيد إلا إذا ثبت خلاف ذلك، وهناك إرهاصات لقيام كيان مشابه للطائفة السنية لا ضير أيضاً منه فهو أمر جيد بحد ذاته في تنظيمه لشؤون الطائفة المعنية في علاقتها مع السلطة من جهة، ومع الطائفة الأخرى من جهة ثانية وكما أعلن المحامي عبدالله هاشم الداعي للفكرة عن نفس المضمون حيث قال إنهم إذا زارهم مسؤول حكومي فإنهم بحاجة لمن يتحدث عنهم ويضع اليد على الجرح ويتلمس الحاجات هذا من حقهم طبعاً.
الإشكال الآخر عن كون المجلس العلمائي جهة مستقلة فذلك فيه مقدار كبير من الصحة لأن المرجعية الشيعية عاشت طول الزمان مستقلة في أمورها وتعتبر هذا مكسباً تاريخياً لا تتنازل عنه فهي مستقلة في إمامة الجماعة وفي الأوقاف وفي استلام الأخماس وتوزيعها وفي الفتوى، هذه الأمور لا تقبل التنازل عنها مطلقاً لأي سلطة وتتنازل في الأمور الأخرى أما عن كونه يمثل إلغاءً لعقول الأفراد أو للجهات العلمائية الأخرى غير المنضوية تحته فذلك واقع تم تجاوزه فقد رأينا في بعض الأمور التي أصبح فيها أكثر من رأي مثل قانون الأحوال الشخصية أن المجلس متمثلاً في رموزه، جلس وتحاور مع الأفراد والجهات العلمائية الأخرى حتى تم التوصل لقناعة مشتركة.
أما عن كون المجلس يمثل تدخلاً سافراً لإيران فإن ذلك من أكبر المغالطات لأن المجلس مثله مثل المرجعية في العراق لا ينضويان تحت ولاية الفقيه فهما لا ينتميان لهذه المدرسة وإنما يطبقان المرجعية بمفهومها العام بل والمجلس في البحرين يتبع المرجعية في العراق على اعتبار أن المرجعية عندهم المتمثلة في السيد علي السيستاني هي الأعلم حسب المشهور حوزوياً.
ولذلك عندما أراد المجلس الحصول على التزكية الشرعية لقانون الأحوال الشخصية طلب عرضه على السيستاني وبمناسبة هذا الموضوع فإن الجمود فيه لن يحركه إلا حدوث حراك من داخل الحكومة من طرف ومن داخل المجلس من طرف ثانٍ ثم مد جسورا بين الطرفين لإزالة العوائق من كلا الطرفين ليخرج القانون بعد ذلك كوليد شرعي بينهما.
وعوداً على بدء نعود فنقول إن المرجعية سواءً كانت شيعية أو سنية فإن من إيجابياتها الكبيرة التنظيم بشرط ترشيدها وتنقية أهدافها مما لا يُرضي الله سبحانه وتعالى ومن استهداف بعضنا بعضاً ومن إعاقة التقدم والتنمية في الحياة وأن تكون لبنة تتسق مع غيرها من اللبنات لبناء مسيرة الحياة الكريمة

No comments: