Tuesday, July 14, 2009

هل يمكن جعل عاشوراء وحدوية؟
عفاف الجمري

قال الإمام الحسين (ع) وهو يعلن هدف تحركه وخروجه للكوفة ''وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلى الله عليه وآله''.
من هذا البيان نستنتج أن إحياء ذكراه لابد أن ينسجم مع هدفه (ع) وهو (طلب الإصلاح) في أمة جده محمد (ص) على مر الأزمان وأن أي إحياء يتضمن أي أسلوب يؤدي لتمزق الأمة سنة وشيعة أو شيعة وشيعة، أو يتضمن أمورا غير حضارية تشوه صورة الإسلام عالميا فإنه بلا شك لا ينسجم مع أهداف الحسين بل يضر الذكرى. و قد دأب الكثير من المسلمين سنة وشيعة على اعتبار المناسبة مدعاة لتعميق الشرخ المذهبي، مما يجعلنا في دوامة أزلية من الاختلافات القاتلة، وما ذلك إلا من السطحية في التفكير، لأننا لو أمعنا النظر في الذكرى لوجدنا عناصر ودواعي الالتقاء أكبر بكثير من الاختلاف.
فالحسين في تراثي الشيعة والسنة هو أحد سيدي شباب أهل الجنة فهو التقي النقي الطاهر والأنموذج القدوة لبقية شباب المسلمين، فمن طرف إخواننا السنة عن حذيفة (ص) ''.. أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة''. وحب آل الرسول واجب على المسلمين حتى قال الإمام الشافعي (رض):
''يا آل بيت رسول الله حبكم/ فرض من الله في القرآن أنزله
''يكفيكم من عظيم الفخر أنكم/ من لم يصل عليكم لا صلاة له''.
وشعار تحركه (الحسين) هو الإصلاح، أما يزيد فهو أيضا في تراث الفريقين فاسق فاجر قاتل للنفس المحترمة شارب للخمور وهادم للكعبة. فقد ذكر ابن كثير أنه كان في يزيد ''إقبال على الشهوات، وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات، وإماتتها في غالب الأوقات[1]''. وعن الذهبي: ''وكان ناصبيًّا، فظًّا، غليظًا، جلفًا، يتناول المسكِر ويفعل المنكر، افتتح دولته بِمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرَّة، فمقتَه الناس، ولَم يبارَك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين..[2]''.
أما نقطة الخلاف فهي أن الشيعة بالنسبة لهم فان ''الحسين'' إمام وخليفة شرعي منصوص على إمامته من قبل الرسول (ص) في حين لا يرى أهل السنة ذلك. وعليه فإن القدر المشترك من الممكن توظيفه لخدمة الأمة وإعادة نهضتها على أسس وحدوية.
إن الأمم لتبحث عن نماذج لاستنهاض شعوبها وتربية أجيالها لما للنموذج الرمز من أثر كبير في تحويل المثل العليا إلى واقع ملموس. وقد يأتي رمز ما نموذجا في السياسة، وآخر في التربية والاجتماع وغيره في الروحانيات وهكذا. كما نرى في بعض نماذج الأمم الأخرى مثل ''زورو -"Zoro (ناصر الضعفاء) ومانديلا (المناضل ضد العنصرية)، و مارتن لوثر كينغ (زعيم حركة الحقوق المدنية) في أميركا والمناضل تشي غيفارا، وغاندي (الثائر ضد الاستعمار بسياسة اللاعنف.(
أما أن يأتي رمز جامع لكل تلك الصفات، فذلك كنز للأمة من السذاجة التفريط به. و قد غبط غاندي عليه المسلمين حين قال: ''أن الهند إذا أرادت إحراز النصر، فلا بد لها من اقتفاء سيرة الإمام الحسين'' و''تعلمت من الحسين كيف أن أكون مظلوما فأنتصر''.
والمفكر المسيحي أنطوان بارا الذي قال: ''لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبر، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين''.
ويروى أن الزعيم الراحل المرحوم ياسر عرفات قد ذهب مرة لزيارة الزعيم ماو تسي تونغ ليتعلم منه دروسا في النضال فقال له ''اذهبوا و تعلموا مما لديكم فأنتم العرب والمسلمون لديكم الحسين''.
لقد حرمت الأمة من خيرات وبركات إحياء عاشوراء بسبب ضيق الأفق الناتج عن المذهبية من الطرفين. كان المرحوم المخرج الكبير مصطفى العقاد يريد أن ينتج فيلما عن صلاح الدين بعد فيلميه: الرسالة، وعمر المختار، وهدفه من ذلك كله هو إحياء الروح النضالية لدى العرب والمسلمين، وذلك تطلب منه جهدا مضنيا و عقبات كؤود وتمويلا ضخما غير متوفر. وإن صح التحليل القائل بأن مقتله كان بسبب ذلك وأن من وراءه الموساد، ندرك بأننا إن خسرنا من مثل هذا المخرج النادر فإننا لا ينبغي أن نفرط بما لدينا مما يغبطنا عليه غير المسلمين، إن إحياء ثورة الحسين هو ما صنع الثورة الإيرانية ضد الشاه، حتى قال آية الله الخميني(ره): ''كل ما لدينا هو من عاشوراء''.
لنأخذ عاشوراء من زاوية كونها ذكرى سنوية للثورة على الظلم مثل بقية المناسبات مثل يوم ''مكافحة العنف الأسري'' ويوم ''مكافحة التدخين'' وغيرها.
إن فيها الكثير من الدروس اللامتناهية المتوالدة على مر الزمن بسبب توثيقها شديد الدقة بكل حذافيرها مما جعلها غنية جدا بالدروس وموضحة وشارحة للمبادئ الإسلامية لغير المسلمين وللأجيال القادمة خصوصا إذا تيقنا -وهو القدر المشترك بين الشيعة والسنة - بأن بطل عاشوراء هو حفيد الرسول (ص) العادل النزيه الثائر على الظلم فمن الدروس ما يتعلق بحقوق الطفل، وحقوق المرأة، والمواطن وأدب العلاقات: علاقة الإنسان بربه وبوالديه وأبنائه، والصدق في الحراك السياسي وعدم الغش أو التملق والنفاق.
بيد أن مما يساهم في تباعد المسلمين عن الاستفادة من هذا الكنز، من جانب الإخوان السنة اعتبروه خاصا بالشيعة واستفزازا لهم -لأي سبب كان- ومن جانب الشيعة فإن هناك البعض - ولا أقول الكل - ممن يسيء استخدام الخطاب العاشورائي فيستخدمه بما يصب في توسعة الشرخ المذهبي مما لا ينسجم وتوجه صاحب الملحمة (ع) نفسه وذلك بأن يأخذ بعض الخطباء ببث فهمهم وقراءتهم للملحمة للعامة. هذا الفهم الذي قد يشوبه القصور أو التشويه في بعض الأحيان مما لا يخدم المصلحة الإسلامية، لذلك حبذا وحبذا لو أن الخطيب - إلا إذا كان ممن يشهد له بالحكمة والتقوى - حبذا لو اقتصر فقط على السرد التاريخي الموثق لتفاصيل الملحمة (على طريقة المرحوم الشيخ الكعبي) وليترك عقول المستمعين تستخلص الدروس بنفسها وتقرأها كل بقدر وعيه عند ذلك سنرى إبداعات، وسنتخطى ليس فقط المذهبية بل المحلية إلى العالمية ولذلك فإن المسيحي أنطوان بارا قد قرأ الحسين بأفضل مما قرأه الكثير من المسلمين حتى أصبح كتابه (الحسين في الفكر المسيحي) هو الآخر ملحمة. وكذا غاندي الهندوسي الديانة، والكثير من المستشرقين من أمثال الكاتب الإنجليزي المعروف شارلز ديكنز الذي يقول: ''إن كان الإمام الحسين قد حارب من أجل أهداف دنيوية، فإنني لا أدرك لماذا اصطحب معه النساء والصبية والأطفال؟ إذا فالعقل يحكم أنه ضحى فقط لأجل الإسلام''.
أما جورج جرداق العالم والأديب المسيحي فيقول: ''عندما جند يزيد الناس لقتل الحسين، كانوا يقولون: كم تدفع لنا من المال؟ أما أصحاب الحسين فكانوا يقولون لو أننا نقتل سبعين مرة، فإننا على استعداد لأن نقاتل بين يديك ونقتل مرة أخرى أيضا''.
وقد سمعت مرة لمستشرق تحليلا جميلا بشأن رضيع الحسين حيث قال: تعلمت من مصرعه ثلاثة أمور: الاول، أن الرضيع قوي جدا و إلا لما استطاع أن يقطع خيط القماط حوله عندما رمي بالسهم في نحره الثاني، أنه ذكي جدا وإلا لما قفز واعتنق والده عند ذاك. الثالث، أن العرب الذين قتلوه علماء أيضا وعرفوا قوانين الوراثة وأن هذا الرضيع يحمل جينات أبيه لذلك قضوا عليه لكيلا يبق أثر للحسين. وغير هؤلاء الكثير من الكتاب والمستشرقين الذين قرأوا الملحمة بأنفسهم وتوصلوا لتحليلات رائعة أفضل مما لو استمعوا لتحليلات البعض التي لا تتسم بالضرورة بالعمق والحكمة.

[1] راجع ابن العماد: ''شذرات الذهب في أخبار من ذهب''، الجزء الاول، ص .123
[2] الذهبي: ''سير اعلام النبلاء''، الجزء الرابع، ص37 و.38
تعليق
طباعة
إرسال
التعليق على الموضوع
الأسم
البريد
المكان
التعليق
يرجى مراعاة الأداب الإسلامية في الكتابة وعدم الاساءة إلى أي شخص علما أنه سيتم مراجعة النص قبل نشره.


تعليقات الزوار
1 aj -مقر السكن
بارك الله فيك

No comments: