Friday, April 30, 2010

تحديات الإصلاح
عفاف الجمري

جاء في مؤتمر الحكم الصالح لخدمة التنمية المنعقد في الأردن من العام 2005 بالتعاون مع برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على لسان (جون تايلور)، وكيل وزارة المالية الأميركية، أن الحكم الصالح مرتبط بشكل لا ينفصم بالنمو الاقتصادي، فالدراسات التي أجراها البنك الدولي تظهر العلاقة بين الحكم الصالح وارتفاع نصيب الفرد من الدخل القومي. والأبحاث التي أجراها صندوق النقد الدولي تظهر أن اتباع المقاييس الرئيسية للشفافية والوضوح تؤدي إلى تخفيض سعر القروض الدولية والمحلية بنسبة تتراوح بين 7 إلى 17% مما يشير إلى أن المستثمرين يعتبرون الحكم الصالح عاملا مخفضا لمخاطر الاستثمار، ودعا إلى وضع مواصفات قياسية لإصلاح الحكم، وكان (البنك الدولي) قد أصدر مؤشرات الحكم الصالح في 10 يوليو ,2007 وغطى أكثر من 200 دولة في أنحاء العالم، وقد أوضحت المؤشرات أن البحرين شهدت تراجعاً في العام 2006 في مستوى الشفافية ومكافحة الفساد عند مقارنتها بالعام ,2002 وأنها مقارنة بدول الخليج العربية جاء ترتيبها في المرتبة الخامسة في (ضبط الفساد ) وفي المرتبة الثالثة في ( التمثيل السياسي والمحاسبة )، كما طرحت المؤشرات مستوى نزاهة القضاء وسرعته وفاعليته وطرق تطبيق العدالة، والأساليب المتبعة من قِبل قوات الأمن لضبط الالتزام بالقانون، ضمن تقييمها للوضع في البحرين. أما مؤشر مدركات الفساد الصادر عن هيئة الشفافية الدولية عن عام 2006 فقد قارن بين معدلات الفساد في 163 دولة، منها 17 دولة عربية ويعتمد مؤشر مدركات الفساد على عدة مسوحات تعكس رؤية رجال الأعمال والمحللين والمراقبين عن مدى انتشار الفساد في الدولة المعنية، وأقصــى درجة في المؤشر هي ,10 وعندها تكون الدولة في أفضل درجات النزاهة، وأدنى درجة هي صفر وعندها تكون الدولة مصابة بالفساد في أقصى درجاته، وقد سجل تراجعاً للبحرين من المرتبة 34 في العام 2005 إلى المرتبة 36 في العام 2006 حيث كان المؤشر (7,5)، ثم إلى المرتبة 46 في العام 2007 . و قد أرجعت دراسة عربية أعدها الدكتورعادل عبد العزيز السن عضو (المنظمة العربية للتنمية الإدارية) عن أن ضعف الأداء على مؤشر مدركات الفساد طبقاً لهيئة الشفافية عموما، يعود إلى عدة أسباب، أهمها كثافة الإجراءات البيروقراطية، وانتشار الرشوة في الإدارات العامة، وإهدار الموارد وسوء إدارة القطاع العام، الاختلاسات وغسيل الأموال والتقاعس في ملاحقة جرائم الفساد. كما تعرقل القيود التي توضع على الإعلام ومنظمات المجتمع المدني من قدرتهما على الكشف عن ممارسات الفساد.
و كان ولي العهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة قد أعلن مؤخرا عن ''مواصلة القيادة البحرينية للاصلاحات''، مضيفا ''سنصل الى اي وزير متورط في قضايا الفساد''، حيث تم توقيف بعض المسؤولين في شركات تساهم فيها الحكومة وقد قال حينها نائب الرئيس التنفيذي لشركة ''ممتلكات'' محمود الكوهجي لوكالة فرانس برس ان ''الحملة التي تقودها الشركة ضد الفساد ليست وقتية وليست مرتبطة بجدول زمني بل هي من صميم مهماتها في إدارة أموال الحكومة في الشركات''.
بيد أنه برزت في الأسبوع الماضي فضيحة كبيرة لمسؤول حكومي كبير تمثلت في استلامه لرشاوى تصل لملياري دولار!! فقد رفعت شركة ( ألبا) نهاية شهر فبراير الماضي دعوى ضد شركة (الكوا) الأمريكية، في محكمة بولاية بنسلفانيا الأميركية تبين فيها بأنها دفعت ملياري دولار منذ العام 1993 وكانت هذه تذهب إلى شركات صغيرة في سنغافورة وسويسرا وجزيرة غيرنسي، طبقاً لسجلات المصارف والفواتير، وأن بعضاً من هذه الأموال كانت تعود في شكل مدفوعات رشا إلى مسؤولين حكوميين في البحرين كانوا مسؤولين ومشرفين على توقيع العقود وإرساء المناقصات مع الشركة الأميركية. هذه القضية إضافة لقضية الوزير أحمد عطية الله، بتشعباتها المالية، إلى أن تبرز غيرها من القضايا تمثلان حاليا تحديا لسير العملية الإصلاحية، فتصريح ولي العهد عن محاربة الفساد جريء، في حين أن البعض يقول أنه مجرد تصريح لأن الفساد لا يحارب بالخطابات وإنما بالخطط وتطبيق القانون على الجميع بدون استثناء، وأن القضاء على الفساد يتطلب إرادة سياسية قوية وعددًا من الإصلاحات الجذرية التي تضمن الفصل بين السلطات واللامركزية والمراقبة المؤسسية والشعبية على الحكومة، وعليه فمطلوب إعطاء صلاحيات أكبر لديوان الرقابة المالية، وتفعيل الأدوات الرقابية في المجلس النيابي، وعدم تعطيلها بأي شكل ولأي سبب، فهل تشهد العملية الإصلاحية تقدما من جديد بعد سلسلة التراجعات ؟

في يــــوم المــرأة
عفاف الجمري

جدلية قديمة حديثة مطروحة في الساحة باستمرار: هل المرأة مظلومة حقاً؟
ما فتئنا في عصر ما بعد الاستعمار نسمع دعوات تحرير المرأة من قبل متبني الفكر الليبرالي أو اليساري تقابلها ردود من الإسلاميين بأنها قد أعطاها الإسلام كل حقوقها وما دعواتكم هذه إلا لغزونا من الداخل وتحويل المرأة المسلمة إلى غربية الشكل والمضمون.
لكن في عصر ما بعد «الثورة الخمينية» تحديداً ظهرت بوادر تيار ثالث فيه من سمات الفريقين، بمعنى تحرير المرأة لكن ليس لأن تضاهي المرأة الغربية، إنما لتحصل على كل حقوقها التي منحها إياها القرآن وحجبتها عنها تراكمات الزمن بما تحويه من عوامل البيئة والعادات والنوازع الذكورية التي تسللت من دون شعور للفهم القرآني. بمعنى آخر، فإن الدعوة الجديدة تتمثل في إعادة قراءة النص القرآني ومن قبل المختصين بالشريعة من علماء لكن بنظرة متجردة عن قراءة من سبقوهم (من غير المعصومين طبعاً).
كانت مفاجأة للجميع، أن توجد النساء في مواقع متقدمة جداً منذ بداية الثورة الخمينية (وهي إسلامية) في البرلمان ومجلس الخبراء ومستشارة في القضاء ومستشارة للرئيس في الرياضة (بالحشمة طبعاً) والإخراج السينمائي ورئاسة تحرير الصحف وفي الحوزات وقد وصلت إلى مرحلة الاجتهاد ولديها قانون للأحوال الشخصية ومازالت تطالب بالمزيد.
ما فتئت المرأة على مر التاريخ أن كانت منكوبة، مستغلة، مستعملة، مظلومة ومهمشة في كل المجالات: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بسبب قوتها الجسدية الضعيفة لا العقلية. وقد كانت هكذا حالها على مر الأزمان إلا ما ندر عندما تأتي دعوات إصلاحية لرفع الظلم عن ضعفاء المجتمع ومن أهمهم المرأة والأطفال، ولذلك نرى التركيز الشديد في النصوص النبوية على هذين العنصرين الضعيفين جسدياً، وبسبب طبيعة البشر المزدوجة بين الخير والشر (فألهمها فجورها وتقواها)، فعندما يسود جانب الشر، وهو الغالب (وقليل من عبادي الشكور) فإن القوي يظلم الضعيف حيث لا تردعه إلا القوة الظاهرية. لذلك نجد الرسول (ص) يكرر «رفقاً بالضعيفين المرأة والطفل الصغير» و«رفقاً بالقوارير». ونجد أن الله سبحانه قد سد ما يمكن أن يجلب لهن الأذى في وقت لا يهاب فيه إلا القوي فكفل لها نفقتها وأوجبها على أبيها ثم زوجها وأمرها بستر مفاتنها كيلا يطمع فيها مريض على أن هذه الاحترازات جلبت سوء فهم عند المسلمين بعد الرسول (ص) وفي عصور التأخر خصوصاً، فخلطوا المفاهيم وتصوروا أن المرأة ضعيفة عقلاً وليس جسداً فقط، وأنها مواطنة من الدرجة الثانية أو الدنيا، وأنها ليس عليها فقط أن تستر مفاتنها، بل يجب ألا تخرج من بيتها إطلاقاً أو للضرورة القصوى وتم إدخال المفاهيم المحرفة الموجودة في الديانات السابقة في التفسير القرآني فأحدثوا انقلاباً على القرآن من دون أن يشعروا وجعلوا من تفسيره هذا أداة لظلم المرأة بعد أن كان مجيء الإسلام فتحاً عليها نقلها نقلة وإذا بهم يعيدونها إلى سابق وضعها في الجاهلية وأسوء لأنه هذه المرة باسم الشرع ومن يعيد النظر ويأتي بتفسير يتلاءم مع روح القرآن وغاياته ومع الفطرة السليمة التي لا يتناقض معها القرآن إطلاقاً «فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون». (الروم: 30).
ومن سيرة الرسول (ص) فإنه يضرب بعصا المروق من الدين، وصحيح أن دعوات الاستعمار قديماً والغرب حديثاً ما فتئت تدعو إلى تحرير المرأة وإعطائها حقوقها، وأنهم حرروا المرأة في بلدانهم من العبودية بشكل، لكنهم أوقعوها في عبودية من نوع آخر متمثلة في استغلالها الجسدي. لكن من قال إن كل من يدعو إلى رفع نير الظلم في العالم العربي والإسلامي عن المرأة هو يدعو للنموذج الغربي؟ قد تكون هناك أمور مشتركة كالمناداة بحقها السياسي ووقف العنف ضدها، لكن هذا لا يعني الدعوة للنموذج الغربي ولا يعني العمالة للغرب ولا التآمر. نقولها بملء الفم إن: واقع المرأة في كل مكان مزر وما يهمنا هو عالمنا الإسلامي نبدأ به من خلال إعادة معالجة النصوص الإسلامية والرجوع بها إلى نبعها الصافي الأول لنعيد الفتح الذي جاء به الرسول (ص)، وهكذا نرى أن مصدر معاناة المرأة قد يكون سياسياً أو اقتصادياً (حالها كحال الرجل) أو ثقافياً يسيطر حتى على التفسير القرآني.
إن انشغال المسلمين على مدى قرون بعد وفاة الرسول (ص) بالصراعات مع بعضهم بعضاً أولاً ومع المحتلين لاحقاً، وبانشغالهم في العصور المظلمة بالصراع من أجل البقاء، كل ذلك شغلهم عن التطور ومجاراة العصر وإعادة النظر في الموروث وتنقيحه مما علق به وكما ذكرت فإن هناك مفاهيم أصبحت لتواترها من المسلمات لا يعاد النظر فيها وهي في واقع الحال عند البحث نجدها تمثل انقلاباً على المفاهيم القرآنية ومن أهم هذه الموضوعات هو بالطبع موضوع المرأة وكل ما يتعلق بها فقد ظلمت أيما ظلم وأقصيت وكل ذلك باسم الشرع إلى أن جاء العصر الحديث وظهر المجددون من فقهاء وفقيهات أعادوا النظر في كل ما يتعلق بالمرأة وخرجوا بنتائج باهرة من مثل السيد محمد حسين فضل الله والمرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين وآية الله مهدي المهريزي، والمرحوم الشيخ محمد الغزالي وفاطمة رحمائي وآية الله يوسف صانعي. وجود فقيهات مهم جداً من باب «ما حك جلدك مثل ظفرك»، وبالنتيجة أصبح لدينا فقه تقليدي وآخر تجديدي، بيد أنه من المهم وضع ضوابط لعملية البحث عموماً وإعادة النظر في منهجية البحث لسلامته كيلا نكرر الأخطاء فننقلب على روح القرآن مرة أخرى، لكن هذه المرة باسم التجديد.

في ذكرى الميثاق
عفاف الجمري

مثّل يوم 14 فبراير/ شباط من العام 2001 نقلة نوعية ونهاية لأزمة استمرت سنين طوالاً منذ حل البرلمان في العام 1975 مروراً بأزمات كبرى بين الشعب والحكومة وصلت إلى أوجها في التسعينات.
وبالعودة بالذاكرة إلى بوادر الانفراج أذكر عندما بدأ الأمر بإرسال مستشار جلالة الملك في ذلك الوقت الدكتور حسن فخرو للمغفور له الشيخ عبدالأمير الجمري أثناء الإقامة الجبرية ليخبره بنية الملك، فبدأت منذ ذلك الوقت اللقاءات بينه وبين جلالته لأجل التحاور بشأن الإصلاح وبدء صفحة جديدة. وقد اجتمع الشيخ حينها مع ممثلي قوى المعارضة بكل أطيافها ودارت حوارات حتى توصلوا للموافقة على قبول الميثاق ودعوة الشعب للتوقيع عليه بعد أن اشترطوا على السلطة إعطاء ضمانات موثقة بحاكمية دستور 1973 على الميثاق وجعل التشريع في المجلس النيابي فقط من دون الشورى ففعلت ذلك، إلا أن المعارضة في لندن ترددت كثيراً خوفاً من كون الأمر غير جدي أو فيه لعبة سياسية معينة، خصوصاً مع وجود بعض الجمل العائمة في الميثاق التي من الممكن إيجاد تطبيقات لها مخالفة لمطالب الشعب، فيكون الأمر على حسب تعبيرهم كأنه «إمضاء على ورقة شيك بيضاء» لكن أياً كان المحذور ومهما كان مقنعاً، فإن كلا الحكومة والشعب في ذلك الوقت كانوا في حاجة إلى الخروج من عنق الزجاجة، فمن ناحية الحكومة فإنها تريد الاستقرار أولاً، وتنصيع سمعتها الدولية ثانياً.
ومن ناحية الشعب، فإن غالبية أفراده في السجون أو المنفى، ومادامت الحكومة قد مدت يدها فإن المصلحة الوطنية هي الأهم وهي فرصة عليهم تجربتها. وتمت الموافقة فأصدر قادة المعارضة الأمر للشعب بالتوقيع بـ «نعم» على الميثاق فجاءت النسبة التاريخية المشهورة 4,98%، وطبعاً وفت الحكومة حينها وقابلت الإحسان بمثله فبيضت السجون للمرة الأولى من كل المعتقلين، وسمحت لجميع المبعدين بالعودة، وأطلق العنان لحرية الصحافة وعشنا حينها عرساً بكل معنى الكلمة.
في تلك الأيام أتذكر أن كثرة من المراسلين وممثلي المنظمات الدولية كانوا يقابلون الشيخ الجمري، وفي إحدى المرات بعد أن اجتمعت به مراسلة إحدى القنوات الأجنبية، جلست معي ودار حوار طويل فكنت أقول لها إن شعب البحرين بمنتهى الطيبة يسامح بسرعة وفي الوقت نفسه لا يطلب كثيراً، فعلى سبيل المثال فإن مدينة سترة لو مر بها «جيب شغب» قبل شهر من الآن لتم حرقه، أما الآن فإن الملك بنفسه بينهم وإذا بهم يخرجون جميعاً نساء ورجالاً وأطفالاً وحتى العجائز يهللون لاستقباله حتى حملوا سيارته بصورة لم يضاهيهم فيها أحد (لحد الآن) وأثلجوا قلبه، فضحكت المراسلة وقالت «هذه هي الصورة المعروفة عن العرب من خلال خبرتنا، فأهالي غزة كذلك يرضون بسرعة بالقليل ويتحولون من حالة المواجهة إلى الأفراح والاستقبال بالأحضان في طرفة عين».
ثم سألت «هل تعتقدين بأن التمييز الطائفي سينتهي إلى الأبد؟»، فقلت لها «هذا أمر صعب التأكد منه والجزم بشأنه منذ الآن». كان من الممكن أن تستمر هذه الأفراح لحد الآن، ولو سرنا على الوتيرة نفسها لكنا قد وصلنا الآن لمصاف أفضل الدول ديمقراطياً، فما سبب كل الانتكاسات التي بدأت بالتغيير غير المتوافق عليه للدستور والذي أسس لكل ما لحقه من انتكاسات، حيث أسس للتفرد بالتشريع، فتلاه التوزيع غير العادل للدوائر الانتخابية والقوانين المجحفة التي أخذت تمثل التفافاً على الميثاق وعودة للعهد السابق عليه، فمن قوانين الجمعيات والتجمعات والإرهاب إلى قانون الصحافة، هذا غير بقاء ملفات الفساد المالي والإداري والتمييز والمحسوبية على حالها بسبب تشوه آلية المحاسبة (البرلمان). أضف إلى ذلك كله التقرير المثير، وهذا كله طبعاً يسيء لسمعة الحكومة دولياً ويعيد حالة السخط الشعبي.
فقد جاء في تقرير مشترك لمؤسسة «كارنيغي» الأميركية غير الحكومية ومؤسسة «فرايد» الإسبانية عن مؤشرات الإصلاح السياسي في دول العالم، غطى التطورات حتى آخر ,2007 أن «التمييز في مملكة البحرين معمول به ضد الأجانب وضد المواطنين وضد المرأة بشكل واسع[1]».
وقد فصل التقرير كثيراً بشأن عدم استقلالية القضاء والتمييز الطائفي وعدم عدالة توزيع الدوائر وانخفاض مؤشر حرية الصحافة، وعن طريق منظمة «مراسلون بلا حدود»، فإن البحرين قد حصلت على المرتبة 118 من 169 بلداً، والمؤشر يمتد من المرتبة «1» (الأكثر حرية في الصحافة) إلى 169 (الأقل حرية). لقد افتقدنا أهم صمام أمان وهو الحوار بين الحكومة والمعارضة. فقد كان بداية الإصلاح بين الملك والشيخ الجمري ثم بعد فترة من الانتكاسة حدث ما يشبه الحوار بين جمعيات المعارضة الأربع وبين الحكومة ممثلة في وزير العمل، وهو غير جدي وكأنه لذر الرماد في العيون وانقطع، ولم نرَ شيئاً بعده. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا حدثت هذه الانتكاسة في الإصلاح؟ ومن المسؤول؟ هل هي ضغوط خارجية على الحكومة؟ أم خلافات داخل البيت الواحد الحكومي؟ وإلى متى سيستمر هذا الانحدار؟ ألا من وقفة جريئة من مسؤول حكومي شجاع حكيم يشعر بقيمة هذه السفينة التي إن غرقت أغرقت الجميع معها فيعيد المسيرة إلى جادة الطريق؟

[1] يمكن قراءة التقرير في موقع مؤسسة «كارنيغي» على الإنترنت على الرابط: www.carnegieendowment.org

* كاتبة بحرينية
للتعليق والحوار مع الكاتبة: afaf39474225@gmail.com

اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
أحسنتي رحم الله والديك وعسي شيخنا الجمري أبا الأحرار في الجنة
نارالبحرين الثلاثاء 19 فبراير 2008
تعليق #2
أعتقد أختي عفاف أنك قد وضعت أصبعك على الجرح فشتان ما بين فرحتنا بالتصويت على الميثاق وبعدها بعام أعتقد أننا طعنا في الظهر أريد لنا أن نسكت برهة حتى يتسنى لهم تمرير ما أرادوا كما أنني أعتقد أنه حتى لو استمر الأصلاح على نفس الوتيرة فان من شأن التجنيس أن ينسفه نسفا وهكذا فبينما ذهبت وعودهم في الهواء كانت هناك طبخة تجري في الخفاء من أجل استبدالنا بشعب آخر ارتأوا فيهم أنهم أكثر ولاء ووطنية منا مقابل أقصائنا وتهميشنا حتى نكون أقلية لا يحق لها المطالبة بأقل أقل حقوقها! وبشأن علامات الأستفهام الأخيرة فيبدو أن خلافات البيت الواحد هي السبب والحل لا يبدو قريبا في الأفق!
جنان الثلاثاء 19 فبراير 2008
تعليق #3
ألا من وقفة جريئة من مسؤول حكومي شجاع حكيم يشعر بقيمة هذه السفينة التي إن غرقت أغرقت الجميع معها فيعيد المسيرة إلى جادة الطريق؟
ابوهبه الثلاثاء 19 فبراير 2008
تعليق #4
للكاتبة / عفاف الجمري ، تحية لك على هذا التحليل لبداية صدور الميثاق وانتهاءها بالانتكاسة التي يسميها البعض ( انقلاب ) وعودة الأوضاع شيئاً فشيئاً إلى الوراء .
المتابع للشأن المحلي خصوصاً السياسي منه يلحظ هذا التراجع في تنفيذ ما جاء في الميثاق، مما أعطى دستور 1973 أفضلية بالعودة إليه وممارسة صلاحياته.
كانت بوادر الحوار والمصالحة مع بداية العام 2001 قد أينعت ثمارها وقطفت ولكن حالما ذبلت أوراقها شيئاً فشيئا ، بدأت ثمار الانفتاح السياسي بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وباقي المعتقلين وعودة المهجرين وممارسة الحرية الصحافية والتعبير وانتهاء بتفعيل المجلس الوطني المنتخب ( البرلمان ) عبر صناديق الاقتراع .
في تلك الفترة كان الجميع يلمس ذلك التغير في الإصلاح ، ولكن بعد فترة وجيزة من ( الانفتاح ) ظهرت قوانين جديدة تحد من ممارسة الحريات وكان من ضمنها تسجيل الجمعيات تحت مظلة قانون وزارة التنمية الاجتماعية ، وما تلاه من قانون الصحافة وقانون المسيرات والتجمعات وغيرها من القوانين التي تضعف ما جاء في الدستور والميثاق.
بعد مضي سنوات قليلة على صدور الميثاق وصولاً إلى هذا التاريخ ، دوَّنَ كثير من المراقبين والنقاد والمحللين والسياسيين وحتى عامة الناس حسنات الميثاق وسيئاته التي جاءت بعده ، البعض منهم يصرح بأنه لا يزال يعيش من خيرات الميثاق وينهل من بنوده ، والبعض الآخر منهم يجد فيه تراجعاً عن مبادئه التي جاءت فيه وذلك بإصدار قوانين تحد من صلاحياته وصلاحيات ممثلي الشعب في البرلمان ويحد من الحرية العامة في التعبير .
وترى فئة من المراقبين بأن هناك ازدواجية في الحسنات والمساوئ للميثاق، وهناك فئات كبيرة من أفراد المجتمع توجه أصابع الاتهام لأطراف المعارضة بقبولها بالميثاق وتوقيعها عليه.
البعض الآخر من السياسيين يبعد أصابع الاتهام عنه، عبر تحليل منطقي يحتاج لمن يتفهم موقفهم من قبول التوقيع على الميثاق، وبقراءة متأنية للظرف الذي سبق التوقيع عليه بعيداً عن العصبية يمكن تفهُّم الموقف.
جماعة من المعارضين للتوقيع على الميثاق تنأى بنفسها عن كل تلك المهاترات التي سلمت منها ، عبر رفضها لقبول الميثاق عوضاً عن الدستور السابق .
مع كل ذلك أقول للكاتبة / عفاف يبقى السؤال كما جاء في استنتاجك للموضوع
( من المسئول عن هذه الانتكاسة في الإصلاح ؟ ) .
نريد مصارحة حقيقية لما يجري على الساحة، ووقفة شجاعة للأطراف المختلفة عبر حوار جدي حقيقي فعال يضع النقاط على الحروف، ليعرف أفراد هذا الوطن إلى أين تسير بهم السفينة ؟ .
حسن مقداد الثلاثاء 19 فبراير 2008
تعليق #5
السلام
هذا هو العمود الأخير
بيت الشعب و ليس الحكومة
كلمة ديمقراطية جاءت من منشئ يوناني قديم ، وتتكون من كلمتين ممتزجتين و هما : (ديموس) و معناها : أمة ، و( كراتوس) و معناها: سلطة ، أي سلطة الأمة ، بمعنى آخر: الأمة هي مصدر السلطات .
وقد حققت الحضارة اليونانية القديمة إنجازات عظيمة على مستوى الفكر و الفلسفة و الحكم و السياسة و بسبب كونها سابقة للحضارة الإسلامية بقرون ( القرن السابع قبل الميلاد) فقد ترجم المسلمون كتبهم إبان النهضة الإسلامية و استفادوا منهم ، أضافوا إليهم في جوانب و انتقدوا و صححوا في أخرى ، و أصبحوا همزة وصل لنقل تراثهم للحاضر ، و بما أن المنظرون الإسلاميون و الفقهاء قد استفادوا من الحضارات السابقة ، خصوصا في مناطق الفراغ التشريعي و بما لا يتعارض مع الثوابت الإسلامية ، فإن من أهم ما استفاد منه( أو التقى معهم فيه ) بعض المنظرين الحديثين للفكر الإسلامي ( مثل آية الله محمد حسين النائيني و غيره )، من المفكرين اليونانيين ، هي نظرية الحكم الديمقراطية ، و هي ذاتها التي أجمع عليها االعالم في العصر الحديث بعد مخاضات مريرة مرت بها الشعوب من الصراع مع السلطات الحاكمة ، و بذلك أصبحت هذه النظرية تقريبا بمثابة مرجعية عامة موحدة لكل شعوب العالم و يحتكم على أساسها و هي المدار الذي ( أو ينبغي أن ) تدور حوله كل الاتفاقيات و القرارات الدولية ، و التي تكالبت كل الدول للتوقيع عليها مع اختلاف سرعة أو بطئ بعضها عن بعض بحسب درجة الضغوط الداخلية و الخارجية الدافعة لها و ذلك سعيا لمواكبة ركب التقدم العالمي ، الذي لم يعد يقبل بأي متخلف عنه ، فأصبحت الكيانات التي تندفع فقط لأجل التجمل في حيرة و تناقض كبيرين و ضغوط داخلية و خارجية أكبر و كلما أمعنت في الخداع كلما غاصت في أزماتها أكثر حتى تصل إلى نقطة التصالح بين ذاتها و شعوبها فتستقر لتمضي قدما في ركب النمو و التطور .
و البحرين مثلها مثل بقية دول العالم حاولت اللحاق بالركب الديمقراطي في فترتين من عمرها الحديث و الانتقال من الحكم القبلي إلى الديمقراطي فقفزت قفزة كبيرة مباشرة بعد الاستقلال بداية السبعينيات و لكن الحكم لم يستطع التأقلم مع هذه القفزة الكبيرة و سرعان ما انكفأ على نفسه و أنهى الحياة البرلمانية و عاد لسابق عهده ،و القفزة الثانية هي التي تلت انتفاضة التسعينيات و سميت بالعهد الإصلاحي و بدأت بخطوات كبيرة ثم فجأة بدأت بالتوقف ثم التراجع التدريجي ، بيد أن المشكلة الآن هي ليست مع الشعب وحده و لكن مع المجتمع الدولي الذي لايقبل بمن يتخلف عن الركب أولا ، و ثانيا و بسبب توقيع البحرين على الاتفاقيات الدولية الداعمة للديمقراطية و حقوق الإنسان و التي من أهمها العهدان الدوليان الخاصان بالحقوق السياسية و المدنية ، فإن ذلك يعطي صلاحية للمجتمع الدولي أن يقوم بعملية الرقابة على تنفيذ الاتفاقيات بصورة مستمرة و بالطرق التي يرتئيها و هذا هو التحدي .
إن ما حدث في جلسة يوم الثلاثاء الماضي البرلمانية (26/2/2008) ، لهو خروج ليس فقط على الديمقراطية بل حتى على بنود اللائحة الداخلية للمجلس ، وعلى ما فيها من تضييق للعمل البرلماني و تشوهات فإنها لم يتم الالتزام بها ،فبحسب اللائحة ، يمر أي استجواب بثلاث مراحل: الأولى : النظر في الاستجواب من حيث استيفائه للشروط من الناحية الموضوعية و الشكلية و عدم تعارضه مع الدستور طبقا للمادة (145) من اللائحة الداخلية .
الثانية : أن يحال من هيئة المكتب إلى اللجنة المختصة حيث تباشرالاستجواب التفصيلي مع المستجوب ثم تكتب تقريرها و تعرضه على المجلس .
الثالثة : يتم التصويت عليه في المجلس من حيث الإدانة فيتم طرح الثقة أو البراءة .
و الإدانة تحتاج إلى 27 صوتا(ثلثي الأعضاء) و هذه النسبة لا يمتلكها أحد ، لا نواب المعارضة و لا الموالاة .
إن موضوع الاستجواب هذا مشكل ديقراطيا من أوله لآخره ففضيحة بهذا الحجم (التقرير المثير )لاتحتمل الصمت و قد استجاب الجميع لطلب الحكومة بحجة أن الموضوع عند القضاء و مر الوقت و لم يطلع علينا القضاء بشيء، و لم يتناول جميع الجوانب( كالجوانب المالية مثلا ) و كل ما طلع به هو إدانة من سرب الوثائق الخاصة بالتقرير ، و لما ضبطت المعارضة أعصابها و حاولت معالجة الموضوع برلمانيا بدءا بالجوانب المالية و طرحت الموضوع في دور الانعقاد الأول و تم قبوله من قبل هيئة المكتب حيث أوضحت مذكرة المستشار عمر بركات التي وزعت على الصحافة ، سلامة مذكرة الاستجواب من جميع النواحي ووافق الرئيس عليها بل صوت لصالحها و لكن التوقيت لم يكن موفقا حيث انتهى الدور الأول ، و عندما أعيد تقديم الطلب في الدور الثاني تم رفضه بحجة الشبهة الدستورية فكيف يكون ذلك؟ الاستجواب هو نفسه و المحاور هي نفسها و لم يعط الرئيس تفسيرا منطقيا لتغير موقفه ، خصوصا و أن الاستجواب جاء متزامنا مع طلب استجواب الوزير منصور بن رجب و الذي أعطى رسالة خطيرة مفادها أن سبب التغيير هو قرار سياسي أو ضغط وقع على الرئيس مما يعكس خللا في تفعيل أدوات المجلس الرقابية و التي يجب أن تنطبق على كل وزير مهما كان مذهبه أو نسبه سواء كان من العائلة المالكة أو غيرها ، و بغض النظر عن الكتل و توجهاتها و موضوع الاستجواب و جدواه فإن الأهم و الذي ينبغي من الجميع الحفاظ عليه هومبدأ تفعيل الأدوات البرلمانية و أن ماحدث يؤسس لانقلاب على استقلال البرلمان الذي هو بيت الشعب و ليس بيت التجار و لا الحكومة .
عفاف الجمري .
Afaf 39474225@gmail.com
عفاف الجمري الخميس 6 مارس
«فزاعة» ولاية الفقيه.. مرة أخرى
عفاف الجمري

وإن كنت أعلم سلفاً أن إثارة موضوع ولاية الفقيه بالشكل الذي تم في الآونة الأخيرة إنما كان لأغراض سياسية بحتة وليست دينية، بغرض صرف الانتباه الشعبي عن الملفات الساخنة التي هي بصدد أن تطرح من قبل المعارضة والمتمثلة في: التمييز واستجواب عطية الله والتجنيس، ولكن لا بأس من الكتابة في هذا الموضوع ليس بغرض الدفاع أو الهجوم، ولكن للتوضيح وإعطاء فكرة مبسطة للإخوة القرّاء سنة وشيعة الذين يضيق وقتهم عن البحث وليفتح لديهم شهية البحث بغية التلاقح الفكري الصحي، وليسددوني إن لحظوا تقصيراً، والموضوع بشكل أشمل من المطروح هو: أصول الحكم في الإسلام، فكما نعلم أن الإسلام دين شامل لكل مناحي الحياة وفيه أسس ثابتة لا تتبدل بمر الزمن ووردت نصاً كالعبادات مثلاً، ولكن هناك مناطق فراغ تشريعي لم يرد فيها نص محدد تركت للمختصين أن يملؤوا فراغها بما يتلاءم مع كل عصر ولا يتناقض مع المبادئ الإسلامية الثابتة ومن هذه «نظرية الحكم»، فمن يحكم؟ وما أسس اختياره؟ وكيف يحكم؟ أجاب على ذلك فقهاء الفريقين على مر الزمن منذ وفاة الرسول (ص) بإجابات مختلفة وظهرت نظريات عدة، فمما ذهب له فقهاء السنة:
.1 اختيار أهل الحل والعقد: وممن تبنى هذه النظرية القاضي أبوبكر الباقلاني، والأيجي وعبدالقاهر البغدادي الذي يقول في كتابه «أصول الدين» ص: 280 «إن الإمامة تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الاجتهاد والورع، إذا عقدها لمن يصلح لها، فإذا فعل، وجب على الباقين طاعته» ومنهم من ذهب إلى أنها تنعقد بخمسة كما في بيعة الخليفة أبي بكر أو ستة كما فعل الخليفة عمر.
.2 العهد من الإمام السابق: كما ذهب إلى ذلك الماوردي في «الأحكام السلطانية»، والباقلاني، وأبوالحسن الأشعري.
.3 الاستيلاء (ويسمى أيضاً «فقه الغلبة»): كما ذهب، إلى ذلك القلقشندي، وأبوحامد الغزالي في كتابه «الاقتصاد».
هذا بإيجاز عند الفقهاء السنة على اعتبار أن الرسول (ص) لم يعين خليفة بعده، فعلى الأمة أن تجتهد بطرق لاختيار الخليفة.
أما بالنسبة إلى الشيعة الإمامية فهم يرون أن الخليفة قد تم النص عليه من قبل الرسول (ص) وهو الإمام علي ومن بعده ولده الأحد عشر، واحداً بعد واحد حتى الإمام المهدي الذي غاب غيبة كبرى يخرج حين يأذن الله كما المسيح (ع) والخضر (ع)، وعلى ذلك فإن الاجتهاد لديهم يبدأ بعد الغيبة الكبرى وليس بعد وفاة الرسول (ص)، وقد كانت لديهم نظريات أيضاً في هذا الشأن، ولكنها جاءت في عصور متأخرة نسبياً، حيث كانوا يستشكلون قديماً على مسألة تولي الحكم، حيث يرون أن الإمام الغائب هو الخليفة الشرعي، وأن الفقهاء ينيبونه في كل مهماته التبليغية وما يتعلق بحفظ العقيدة والشريعة وإدارة أمور الطائفة الشيعية فيما يتعلق بالخمس والقضاء من دون الوصول إلى مسألة تسلّم الحكم لأن فيها إسالة للدماء ولا ولاية لهم على الدماء إلى أن جاء فقهاء متأخرون توصلوا لنظريات في الحكم، مثل:
.1 نظرية آية الله محمد حسين النائيني (1273هـ - 1355هـ): يرى أن رأس السلطة يجب أن ينتخب بالاقتراع المباشر أو غير المباشر من قبل المجالس المنتخبة التي تراقبه وتمنع تفرده واستبداده، كما ينادي النائيني في كتابه «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» بضرورة وجود الدستور الذي عبر عنه بأنه «أعلى القوانين، وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد، وأنه يحدد صلاحيات الحاكم ويعرف حقوق الشعب وحرياته»، وذهب إلى وجوب مقاومة الحاكم المستبد، كما دعا إلى ولاية الأمة على نفسها، وعدم حصر الرقابة والمحاسبة في الفقهاء، بل من خلال النواب المنتخبين في مجلس الأمة، وأن السلطة والممارسة السياسية هما شأن عام لجميع أفراد المجتمع وليستا حصراً على الفقهاء، وأن المواطنة هي القاعدة التي تقوم عليها الحقوق لأفراد المجتمع وليس الدين، ولذلك فإن الذميين ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية، بل الأولى.
.2 نظرية ولاية الفقيه: أول من نادى بهذه النظرية هو الشيخ أحمد النراقي المتوفى سنة 1245 هـ، ونادى بها أيضاً أحد فقهاء السنة وهو عبدالملك الجويني المتوفى سنة 478 هـ، ثم نادى بها الإمام الخميني وطبقها بعد نجاح الثورة في إيران العام ,1979 وهو يرى أن للفقيه (النائب العام للإمام الغائب) جميع صلاحيات الإمام المنصوص عليه الذي له جميع صلاحيات الرسول ماعدا التشريع طبعاً، فصلاحياته تبليغية وأن يتسلّم الحكم وله ولاية عامة على الناس وطاعته واجبة عليهم. بيد أنه عملياً لم يتصد للحكم بشكل مباشر، بل كان مراقباً للحاكم المنتخب من قبل الشعب بحسب مواصفات حددها الدستور الذي تمت صياغته، كما أسس مجلساً للخبراء من الفقهاء المعاونين له على تشخيص الأمور، وعلى أساس الدستور تمت إدارة البلد بمؤسسات منتخبة. وبحسب هذه النظرية، فإن ولاية الولي الفقيه واجبة على كل المسلمين في كل الأقطار، أما كيف يحكم الأقطار الأخرى؟ فإنه بحسب النظرية يجب أن يعين له نائباً لكل قطر يتم الإعلان عنه رسمياً، ويوثق ذلك بكل الوسائل الكتابية وغيرها وليس بشكل سري لكيلا يدعي شخص ما النيابة بلا دليل. تطبيقاً على ذلك، فإنه واقعاً لا يوجد حالياً نائب للولي الفقيه خارج إيران إلا السيد حسن نصر الله. وقد يتساءل القارئ إذاً لماذا هذه الزوبعة في البحرين بين الحين والآخر؟ نقول إن أي سياسي فطن يعلم أن بث هذه الفزاعات التي لا أساس لها بين الحين والآخر ليس إلا لتخويف السنة من الشيعة كيلا يتحدوا ويطالبوا بحقوقهم المشروعة كما حدث في الخمسينات من القرن الماضي وفي بداية التسعينات، فولاية الفقيه ما هي إلا إحدى النظريات لدى الفقهاء الشيعة وغير ملزمة ولم يجمع عليها فقهاء الشيعة لا السابقون ولا الحاليون، وأن شيعة البحرين بحركتهم سواء في التسعينات أم حالياً إنما هم أقرب ما يكونون لنظرية المرحوم النائيني، فحركتهم حقوقية وطنية شيعية سنية، أما المفارقة فإنه إذا كان مجرد وجود كيان سياسي شيعي يؤمن بها ويطبقها مدعاة للاتهام فإن زعيم تنظيم القاعدة بن لادن أيضاً يطبقها سواء أسماها ولاية أم لا، فهو يعين وكلاء باستمرار من مثل الزرقاوي سابقاً ومن خلفه لاحقاً، ويبث لهم أوامر متلفزة ليست سرية ونسمع عن اعتقال أشخاص من الداخل بين الحين والآخر، بتهم صحت أم لم تصح، فهل هذا مبرر لإحداث الشرخ في اللحمة الوطنية؟ ومن المستفيد؟ عشنا أحبة زمناً طويلاً، ويسعى الآن المتلبسون لتفتيتنا بوسائل لا تخدع عاقلاً.

- كاتبة بحرينية
للتعليق والحوار مع الكاتبة: Afaf39474225@gmail.com
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
الله يرحم روح ولدينش
دوار البغلة الثلاثاء 5 فبراير 2008
تعليق #2
كفيت وو فيت. مقال جيد و متوازن
محمود الثلاثاء 5 فبراير 2008
تعليق #3
مرحباً أختي
بصراحة تامة الموضوع ممتاز ويعطي توجيه وثبات في هذه المسألة للذي يريد التمعن والمتابعة النقاش فيه
وانا تعجبني مقالاتك
واخيراً وفقك الله
ورحم الله والديك
محمد يوسف الأربعاء 6 فبراير 2008
تعليق #4
ينبغي التنويه الى كون ولاية الفقيه ليست من التشيع في شيىء وهي كما أشارت الكاتبة من ابتكار بعض العلماء فأول من قال بها اجمالا هو النائيني ورسخ دعائمها الخميني ليطفي على أعماله ودولته الشرعية والقدسية كسائر الدول التي تستغل
الدين كواجهة لها ومن أجل اسغلال البسطاء من الناس للزج بهم كوقود رخص الثمن في الحروب الخاسرة والفاشلة كحرب الثمان سنوات والدين وحي من الله وليس ابتكار بشري وتنظير حوزوي ولا توجد ولا رواية واحدة تدل على ولاية القيه لا من بعيد ولا من قريب لاعن الرسول ولا عن الائمة الاطهار ولايوجد سوى بعض التكلفات والتخرصات وكل ما لم يصدر من الله ورسوله فليس من الدين في شيىء وهو من قول قائله والتشيع منه براء
حامد الأحد 29 مارس
أعمدة
هل يمكن جعل عاشوراء وحدوية؟
عفاف الجمري


قال الإمام الحسين (ع) وهو يعلن هدف تحركه وخروجه للكوفة ''وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلى الله عليه وآله''.
من هذا البيان نستنتج أن إحياء ذكراه لابد أن ينسجم مع هدفه (ع) وهو (طلب الإصلاح) في أمة جده محمد (ص) على مر الأزمان وأن أي إحياء يتضمن أي أسلوب يؤدي لتمزق الأمة سنة وشيعة أو شيعة وشيعة، أو يتضمن أمورا غير حضارية تشوه صورة الإسلام عالميا فإنه بلا شك لا ينسجم مع أهداف الحسين بل يضر الذكرى. و قد دأب الكثير من المسلمين سنة وشيعة على اعتبار المناسبة مدعاة لتعميق الشرخ المذهبي، مما يجعلنا في دوامة أزلية من الاختلافات القاتلة، وما ذلك إلا من السطحية في التفكير، لأننا لو أمعنا النظر في الذكرى لوجدنا عناصر ودواعي الالتقاء أكبر بكثير من الاختلاف.
فالحسين في تراثي الشيعة والسنة هو أحد سيدي شباب أهل الجنة فهو التقي النقي الطاهر والأنموذج القدوة لبقية شباب المسلمين، فمن طرف إخواننا السنة عن حذيفة (ص) ''.. أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة''. وحب آل الرسول واجب على المسلمين حتى قال الإمام الشافعي (رض):
''يا آل بيت رسول الله حبكم/ فرض من الله في القرآن أنزله
''يكفيكم من عظيم الفخر أنكم/ من لم يصل عليكم لا صلاة له''.
وشعار تحركه (الحسين) هو الإصلاح، أما يزيد فهو أيضا في تراث الفريقين فاسق فاجر قاتل للنفس المحترمة شارب للخمور وهادم للكعبة. فقد ذكر ابن كثير أنه كان في يزيد ''إقبال على الشهوات، وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات، وإماتتها في غالب الأوقات[1]''. وعن الذهبي: ''وكان ناصبيًّا، فظًّا، غليظًا، جلفًا، يتناول المسكِر ويفعل المنكر، افتتح دولته بِمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرَّة، فمقتَه الناس، ولَم يبارَك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين..[2]''.
أما نقطة الخلاف فهي أن الشيعة بالنسبة لهم فان ''الحسين'' إمام وخليفة شرعي منصوص على إمامته من قبل الرسول (ص) في حين لا يرى أهل السنة ذلك. وعليه فإن القدر المشترك من الممكن توظيفه لخدمة الأمة وإعادة نهضتها على أسس وحدوية.
إن الأمم لتبحث عن نماذج لاستنهاض شعوبها وتربية أجيالها لما للنموذج الرمز من أثر كبير في تحويل المثل العليا إلى واقع ملموس. وقد يأتي رمز ما نموذجا في السياسة، وآخر في التربية والاجتماع وغيره في الروحانيات وهكذا. كما نرى في بعض نماذج الأمم الأخرى مثل ''زورو -"Zoro (ناصر الضعفاء) ومانديلا (المناضل ضد العنصرية)، و مارتن لوثر كينغ (زعيم حركة الحقوق المدنية) في أميركا والمناضل تشي غيفارا، وغاندي (الثائر ضد الاستعمار بسياسة اللاعنف.(
أما أن يأتي رمز جامع لكل تلك الصفات، فذلك كنز للأمة من السذاجة التفريط به. و قد غبط غاندي عليه المسلمين حين قال: ''أن الهند إذا أرادت إحراز النصر، فلا بد لها من اقتفاء سيرة الإمام الحسين'' و''تعلمت من الحسين كيف أن أكون مظلوما فأنتصر''.
والمفكر المسيحي أنطوان بارا الذي قال: ''لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبر، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين''.
ويروى أن الزعيم الراحل المرحوم ياسر عرفات قد ذهب مرة لزيارة الزعيم ماو تسي تونغ ليتعلم منه دروسا في النضال فقال له ''اذهبوا و تعلموا مما لديكم فأنتم العرب والمسلمون لديكم الحسين''.
لقد حرمت الأمة من خيرات وبركات إحياء عاشوراء بسبب ضيق الأفق الناتج عن المذهبية من الطرفين. كان المرحوم المخرج الكبير مصطفى العقاد يريد أن ينتج فيلما عن صلاح الدين بعد فيلميه: الرسالة، وعمر المختار، وهدفه من ذلك كله هو إحياء الروح النضالية لدى العرب والمسلمين، وذلك تطلب منه جهدا مضنيا و عقبات كؤود وتمويلا ضخما غير متوفر. وإن صح التحليل القائل بأن مقتله كان بسبب ذلك وأن من وراءه الموساد، ندرك بأننا إن خسرنا من مثل هذا المخرج النادر فإننا لا ينبغي أن نفرط بما لدينا مما يغبطنا عليه غير المسلمين، إن إحياء ثورة الحسين هو ما صنع الثورة الإيرانية ضد الشاه، حتى قال آية الله الخميني(ره): ''كل ما لدينا هو من عاشوراء''.
لنأخذ عاشوراء من زاوية كونها ذكرى سنوية للثورة على الظلم مثل بقية المناسبات مثل يوم ''مكافحة العنف الأسري'' ويوم ''مكافحة التدخين'' وغيرها.
إن فيها الكثير من الدروس اللامتناهية المتوالدة على مر الزمن بسبب توثيقها شديد الدقة بكل حذافيرها مما جعلها غنية جدا بالدروس وموضحة وشارحة للمبادئ الإسلامية لغير المسلمين وللأجيال القادمة خصوصا إذا تيقنا -وهو القدر المشترك بين الشيعة والسنة - بأن بطل عاشوراء هو حفيد الرسول (ص) العادل النزيه الثائر على الظلم فمن الدروس ما يتعلق بحقوق الطفل، وحقوق المرأة، والمواطن وأدب العلاقات: علاقة الإنسان بربه وبوالديه وأبنائه، والصدق في الحراك السياسي وعدم الغش أو التملق والنفاق.
بيد أن مما يساهم في تباعد المسلمين عن الاستفادة من هذا الكنز، من جانب الإخوان السنة اعتبروه خاصا بالشيعة واستفزازا لهم -لأي سبب كان- ومن جانب الشيعة فإن هناك البعض - ولا أقول الكل - ممن يسيء استخدام الخطاب العاشورائي فيستخدمه بما يصب في توسعة الشرخ المذهبي مما لا ينسجم وتوجه صاحب الملحمة (ع) نفسه وذلك بأن يأخذ بعض الخطباء ببث فهمهم وقراءتهم للملحمة للعامة. هذا الفهم الذي قد يشوبه القصور أو التشويه في بعض الأحيان مما لا يخدم المصلحة الإسلامية، لذلك حبذا وحبذا لو أن الخطيب - إلا إذا كان ممن يشهد له بالحكمة والتقوى - حبذا لو اقتصر فقط على السرد التاريخي الموثق لتفاصيل الملحمة (على طريقة المرحوم الشيخ الكعبي) وليترك عقول المستمعين تستخلص الدروس بنفسها وتقرأها كل بقدر وعيه عند ذلك سنرى إبداعات، وسنتخطى ليس فقط المذهبية بل المحلية إلى العالمية ولذلك فإن المسيحي أنطوان بارا قد قرأ الحسين بأفضل مما قرأه الكثير من المسلمين حتى أصبح كتابه (الحسين في الفكر المسيحي) هو الآخر ملحمة. وكذا غاندي الهندوسي الديانة، والكثير من المستشرقين من أمثال الكاتب الإنجليزي المعروف شارلز ديكنز الذي يقول: ''إن كان الإمام الحسين قد حارب من أجل أهداف دنيوية، فإنني لا أدرك لماذا اصطحب معه النساء والصبية والأطفال؟ إذا فالعقل يحكم أنه ضحى فقط لأجل الإسلام''.
أما جورج جرداق العالم والأديب المسيحي فيقول: ''عندما جند يزيد الناس لقتل الحسين، كانوا يقولون: كم تدفع لنا من المال؟ أما أصحاب الحسين فكانوا يقولون لو أننا نقتل سبعين مرة، فإننا على استعداد لأن نقاتل بين يديك ونقتل مرة أخرى أيضا''.
وقد سمعت مرة لمستشرق تحليلا جميلا بشأن رضيع الحسين حيث قال: تعلمت من مصرعه ثلاثة أمور: الاول، أن الرضيع قوي جدا و إلا لما استطاع أن يقطع خيط القماط حوله عندما رمي بالسهم في نحره الثاني، أنه ذكي جدا وإلا لما قفز واعتنق والده عند ذاك. الثالث، أن العرب الذين قتلوه علماء أيضا وعرفوا قوانين الوراثة وأن هذا الرضيع يحمل جينات أبيه لذلك قضوا عليه لكيلا يبق أثر للحسين. وغير هؤلاء الكثير من الكتاب والمستشرقين الذين قرأوا الملحمة بأنفسهم وتوصلوا لتحليلات رائعة أفضل مما لو استمعوا لتحليلات البعض التي لا تتسم بالضرورة بالعمق والحكمة.

[1] راجع ابن العماد: ''شذرات الذهب في أخبار من ذهب''، الجزء الاول، ص .123
[2] الذهبي: ''سير اعلام النبلاء''، الجزء الرابع، ص37 و.38


اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
شكرا جزيلا لك الاخت عفاف جمري موضوع في غاية الرفعة والموعضة الحسنة وكلام جميل نابع من صدق مافي نفوس محبي ال بيت الرسول ص
اللهم اجمع شملنا ولاتشت ترابطنا يارب العالمين
دمتي لنا مشكوره
كويتية زائره الثلاثاء 22 يناير 2008
تعليق #2
شكرا لكي اخت عفاف اللهم اجمع شملنا ولاتشت ترابطنا يارب العالمين
دمتي لنا مشكوره
محمدهادي الثلاثاء 22 يناير
العنف ضد النساء.. ألا يشكل هاجساً؟
عفاف الجمري

في أحدث إحصاء لـ مركز «بتلكو» لرعاية حالات العنف الأسري لعدد ضحايا العنف الأسري التي أبلغت إلى المركز من يناير/ كانون الثاني 2006 إلى ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، قدرت عدد الحالات بنحو 81 حالة عنف تعرض إليها رجال و372 حالة تعرضت فيها المرأة إلى العنف، إضافة إلى 133 حالة تعرض فيها أطفال إلى العنف. وقد بلغت النسبة الرسمية للنساء المعنفات في البحرين في العام 2004 وحده 1344 حالة، ناهيك عما خفي. ونظراً إلى تفاقم هذه الظاهرة والحال المتردية التي وصلت إليها المرأة في عالم اليوم، فقد تبنت منظمة العفو الدولية في مارس/ آذار 2004 إطلاق حملة عالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، وعممت فيها تقريرها المفصل تحت شعار «مصائرنا بأيدينا.. فلنضع حداً للعنف ضد المرأة»، الذي سلطت فيه الضوء على مسؤولية الدولة والمجتمع والأفراد لوضع حد للعنف ضد المرأة.
وفي إحدى المرات، عرضت إحدى القنوات العربية استفتاءً مصوراً على شريحة واسعة من المجتمع العربي تشمل مثقفين ورجال دين وآخرين في مناصب حساسة ومن بينهم قاضٍ في إحدى الدول العربية الطليعية، فكان يقول «نعم الضرب شيء ضروري للنساء فهن لا يتأدبن إلا بالضرب». ومعظم النساء اللاتي شملهن الاستفتاء (60% أو أكثر) قلن «الضرب من حق الرجل على المرأة»، والأخطر في هذه المسألة أنها تُشرعن حتى أصبحت كأنها من المسلمات في الشرع ولا يعاد النظر فيها مع أنه ليس من عاقل متجرد إطلاقاً يمكنه أن يوفق بين كون الإسلام دين العدالة والرحمة والسماحة (والرفق بالقوارير) والمساواة الإنسانية بين الذكر والأنثى والداعي إلى حسن معاشرة النساء (وعاشروهن بالمعروف) وبين إدعاء شرعية ضرب النساء.
فلنقر أولاً بأن التجربة الإسلامية لم تأخذ كامل حقها في التطبيق والتطبيع إلى أن تنمحي من ذاكرة المسلم كل جاهلية قبل الإسلام، فعشر سنوات هي عمر دولة الرسول (ص)، (على رأي الشيعة) ولنضف إليها ثلاثين سنة عمر الخلافة الراشدة (على رأي السنة) هي غير كافية إطلاقاً لتطبيع دين جديد وتوضيح كل ما يتعلق به. وإن كفت فإن الصراعات السياسية التي حدثت لاحقاً والفتوحات وما أعقبها من انفتاح على الثقافات الأخرى كل ذلك أدى إلى كثير من التشويه والتشويش واختلاط الثقافات ودخول ما يسمى «الإسرائيليات» وغيرها، ومع ذلك تبقى هناك أسس يمكن من خلال إعمالها تبين الحقائق، فالقرآن - ولله الحمد - ثابت سالم من التحريف (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وعقل الإنسان الذي هو كما ورد حجة لله علينا وهو الرسول الباطن يساعد أيضاً خصوصاً مع تلاقح العقول وتطور الزمن الذي يعطي نضجاً كلما مر الوقت ومع الاستناد إلى السنة التي نستطيع فرز ما علق بها من تحريف بعرضها على القرآن، فما وافق منها القرآن فهو بلا شك سالم من التحريف وما عارض صريح القرآن فهو دليل واضح على أنه من تسطير بشر أو فهمهم الناقص أو المتأثر بالجاهلية القديمة أو باختلاط الثقافات الأخرى. من هذا المنطلق، فلنعيد النظر في موضوع ضرب النساء، فالله سبحانه ابتداءً ساوى من حيث الإنسانية بين النساء والرجال، والآيات الدالة كثيرة، منها «إن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى» (آل عمران: 195). ثم إنه سبحانه جعل من الآيات الدالة على عظمته، والتي يدعو إلى التأمل فيها هي العلاقة الزوجية القائمة على الحب والانسجام والرحمة «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» (الروم:21)، وقال في آية أخرى «وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً» (النساء: 19) والرسول (ص) يقول «رفقاً بالقوارير»، ولما سئل عن القوارير قال «النساء». وقد ورد في الحديث «من مّد يده إلى زوجته ليلطمها فكأنما مدها إلى النار».
أما الآية التي يُستند إليها في تشريع الضرب، فهي «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً» (النساء: 34). أي اللاتي تخافون من الأضرار التي يؤدي إليها نشوزهن، والتي تتمثل في تفكك الأسرة وانتهائها، وهو أسوء ما يمكن حدوثه والنشوز هو كالأعمال بالغة الفحش التي لا يمكن أن تستقر معها الأسرة، فما العلاج؟ هل هو الطلاق مباشرة وهو دمار للمجتمع لو تم اللجوء إليه لحل الإشكالات الأسرية؟ أم أن هناك طرقاً علاجية تحول دون الوصول لهذه المرحلة؟ يقول المفسرون إن هناك 3 مراحل علاجية:
أولاً: النصح والعظة، وهو يوازي الحوار، وهذا لا خلاف فيه.
ثانياً: الهجران في المضجع، أي يشارك الزوج زوجته الفراش ولكن يهجرها، وهذا ما لا شك فيه له أثر نفسي سيئ بالغ عليها ولا خلاف فيه أيضاً.
ثالثاً: المرحلة الأخيرة بعد الأوليين: الضرب، ويضيف المفسرون ومنهم ابن عباس تفاصيل بألا يكون مبِّرحاً وأن يكون بالسواك (أي رمزياً) ولكن والخلاف هنا: هل يستطيع أيُّ كان أن يضرب رمزياً؟ إن المؤدب هذا على افتراض حكمته وهدوء أعصابه مجرد أن يبدأ بالضرب فإنه لن يتمالك نفسه، خصوصاً إذا كان الموضوع بالغاً في الفحش، ومن يستطيع أن يتمالك نفسه ثم أنه من يلتزم بهذه الضوابط، بل من يحددها، فالضرب أصبح لأتفه الأسباب وحتى لأسباب تكون فيها المرأة هي صاحبة الحق فيها، ولا أحد يتبع هذه المراحل الثلاث، والضرب حتى لو كان رمزياً فيه إهانة للمرأة ويذهب أي أثر للمودة والاحترام بين الزوجين وتصبح العلاقة آلية. ولو كان هذا هو التفسير الصحيح، لكان الرسول (ص) أول من يطبق هذا الأمر لأنه أمر لا تخيير فيه، والرسول (ص) سيرته هي المفسرة للقرآن وقد قالت عنه أم المؤمنين عائشة عندما سئلت عن خلُقه «كان خُلقه القرآن»، والله سبحانه يقول «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر»، والرسول (ص) حدث في حياته مرة ، أو بالأحرى ما ذكر في القرآن أنه تعرض إلى النشوز من قبل بعض زوجاته، حيث اتفقن مع بعضهن على أن يطالبن برغد العيش من رسول الله (ص) وحصل ذلك ووصلَ الخلاف أوجه إلى أن استاء الرسول (ص) فهجر بيوت زوجاته إلى المشربة شهراً كاملاً، وقد قال سبحانه عن ذلك «يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً». و«عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً» (التحريم: 5). ولو كان الرسول (ص) فعل خلاف الأولى، أي أنه كان عليه أن يضرب ولم يضرب، لذكر سبحانه وتعالى ذلك صراحة في القرآن كما هي العادة وللامه فـ «الله لا يستحي من الحق» (الأحزاب:53). وقد لامه سبحانه في مواضع فعل فيها خلاف الأولى كما كان مثلاً: في سورة الأحزاب «وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه» (الأحزاب:37) في موضوع الزواج من زينب بنت جحش. وقد ذكر رئيس معهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن الدكتور عبدالحميد أبو سليمان تفسيراً جميلاً ينسجم مع واقع سيرة الرسول (ص) حين يذكر أنه بحث لغوياً في معنى الضرب فوجده على 17 معنى، فقط معنى واحد منها هو الضرب بمعنى العنف، ومن معاني الضرب بمعنى الإعراض والهجر والعزل والمفارقة والإبعاد والترك. كما ذكر أن الرسول (ص) عندما نشزت عليه زوجاته هجرهن إلى المشربة شهراً كاملاً ولم يضربهن، وأن تفسير الآية هو اللجوء لثلاث مراحل تأديبية:
.1 العظة.
.2 الهجران في الفراش.
.3 هجران بيت الزوجية.
لتكون المرأة الناشز وجهاً لوجه بشكل ملموس مع النتيجة التي ستؤول إليها الأسرة إن لم ترتدع عن سلوكها ولينبهها ذلك من الغفلة. والحق أن هذا التفسير تنسجم مع سيرة الرسول والعقل والفطرة ولا يخدش كرامة وإنسانية المرأة كشريك مساوٍ للرجل لا كعبدة، فإذا تم اتباع هذه المراحل فإنها تفيد، فالعظة أولاً ثم الهجران بالابتعاد يفيد في التنبيه إلى النتائج الملموسة التي سيؤول إليها الحال نتيجة هذا النشوز والواقع يشهد بأن لا شيء أبلغ أثراً في نفس الزوجة من هذه المراحل، وفيها عودة إلى الرشد ومن دون خدش لكرامة المرأة.
نحن بحاجة إلى وقفة جادة وخطوات عملية للتصدي للمشكلة بشكل رسمي ومجتمعي إن أردنا مجتمعاً صحياً، فالأسرة نواة المجتمع.

No comments: