مايكل.. بهلول أميركا المغبوط
عفاف الجمري
البهلول هو أبو وهيب بهلول بن عمر الصيرفي الكوفي، ولد بالكوفة في زمن هارون الرشيد، وهو أحد الشخصيات التي تألقت في التاريخ العربي والإسلامي وكنيته أبو عمرو.
ويقال: إن أباه عمرو كان عم الرشيد كما في ''تاريخ المستوفي''..
وله قصص كثيرة رويت دلت على حكمته ورجاحة عقله وقد وصفه المؤرخون بالفقيه الحكيم الورع الذي كان يتستر بغطاء الجنون ليتلافى سطوة السلطان، وكان يركب عصا طويلة يجوب بها السوق ويسميها حصانه والصبيان يركضون وراءه، ويوجه نقده اللاذع لكل أوجه الفساد في الدولة ويتجرأ على الخليفة وبأسلوب ساخر محتميا بمظهر المجنون وكل ذلك بغرض الإصلاح.
أما مايكل مور فهو مخرج سينمائي أميركي معاصر، وكاتب، معارض للإدارة الأميركية بصورة عقلانية وساخرة في الوقت ذاته، اشتهر في السنوات الأخيرة ولقيت آراؤه إقبالا من الأميركيين وغيرهم بسبب منطقيتها وتدعيمها بالوثائق.
واشتهر اسم مور الحاصل على جائزة الأوسكار من خلال أفلامه الوثائقية وعلى رأسها فيلم ''فهرينهايت 11/''9 عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ,2001 كما أصبح كتابه ''الرجل الأبيض الغبي'' من أكثر الكتب مبيعا على مستوى العالم.
وفي فيلمه (فهرنهايت 9/11) يتحدث عن إدارة الرئيس بوش، يفضح فيها علاقاتها وأساليبها وتعاملها مع تفجير برجي مركز التجارة الدولي بأسلوبه الساخر الجريء، وهي نادرة أن تخرج فيها لجنة التحكيم عن تقاليدها بمنح الجائزة للدراما، ومور لا يقف فحسب ضد الحرب، لكنه أيضا يشكك في شرعية فوز الرئيس بوش في الانتخابات الرئاسية، ويظهر للمرة الأولى كيف أعلنت التلفزيونات الأميركية المرشح آل غور فائزا، قبل أن تعود شبكة ''فوكس'' التي يرأسها شقيق بوش لتعلن فوزه، وحين فاز مايكل مور بالأوسكار، فاجأ الجميع بكلمة على الهواء شاهدها كلّ العالم وهاجم فيها جورج بوش ورئاسته وسياسته.
بعد الحرب خرج بكتابه عن الأغبياء الذين يحكمون الولايات المتحدة الذي صار الأكثر مبيعاً، وحمل صورة غلاف تمثّل تمثال بوش الذي أسقطته مظاهرة لندن الشهيرة، تيمناً بإسقاط تمثال صدام حسين في بغداد وحين سئل عن إمكانية إعادة انتخاب ''بوش'' لولاية ثانية'' قال ''يجب أن يكون قد انتخب لولاية أولى حتى يمكننا الحديث عن إعادة انتخابه''. ما قاله هذا سبق له أن قاله أيضا في كتابه المذكور الذي واجه حصارا كالذي واجهه فيلمه، قبل أن يتربع على قائمة أكثر الكتب مبيعا في موقع ''الأمازون'' لعامين متتاليين ويعاد طبعه أكثر من عشر طبعات، وفي هذا الكتاب كشف مور علاقات رجال بوش بشركات النفط والعلاقات العامة ومصانع السلاح الأميركية، ودوافعهم المشبوهة لشن الحروب وتأجيج نار العداوات في العالم، ولم يسلم منه أحد منهم.
لمايكل أيضا فيلم رائع عرض في مهرجان القاهرة السينمائي هو (بولينج من أجل كولمباين)، وفيه يدين المجتمع الأميركي الذي يشجع العنف وينمي روح العداء، أما الفيلم الذي صنع شهرته الأولى فكان ''روجر وأنا'' وروجر هذا هو رئيس شركة جنرال موتورز التي حولت مدينة فلينت حيث يقيم ''مور'' إلى خراب، وفيلمه ''العودة إلى فلينت'' وتبعه بـ ''لحم الخنزير الكندي'' ويعرض فيه للغزو الثقافي الأميركي لكندا، ثم ''الأضخم'' إضافة إلى كولمباين. أما الفضيحة الأخرى التي لا تقل أهمية عن أحداث سبتمبر/ أيلول فهو فيلمه (سيكو) الذي فضح فيه سياسة الإدارة الأميركية في تواطئها مع شركات التأمين الصحي بثغراتها الكبيرة التي تركت حتى متطوعي وعمال الإنقاذ في برجي التجارة بلا علاج لمدة تفوق الست سنوات حتى جمعهم في قارب وعبر بهم البحر لكوبا عدوة أميركا والتي قد فرض عليها حصارا أميركيا فذهب بهم إليها حيث عولجوا مجانا وكل ذلك بالصوت والصورة. وهذا الفيلم عرضه على الكونغرس أي في عقر دارهم. وحتى في الانتخابات الأميركية الأخيرة فقد أنتج فيلما وعرضه مجانا على موقعه الالكتروني بدلا من عرضه في دور العرض السينمائي وقال هو ''هدية بالكامل لجمهوري''.
حاليا يعد لفيلم يفضح أسباب الأزمة المالية وقد عرض على موقعه الالكتروني يطلب المساعدة المعلوماتية من أصحاب الشأن مع الوعد بالحفاظ على هويتهم.
أحد النقاد السينمائيين الأميركيين أشار إلى أن ''مور يغضب الكثيرين لأنه يفضح أشياء كثيرة يخشى من قولها كبار النجوم.. إنه يقتحم الغرف المغلقة لأنه يؤمن بعمله ولا يتردد من الذهاب إلى آخر الشوط مادام الأمر يتعلق بالحقيقة''.
الخلاصة أنه معارض ليس لأجل المعارضة لكن لأجل الإصلاح في بلده وقد رأينا كيف أنه استعمل كل الأساليب السلمية التي تفتقت عنها عبقريته من إنتاج كتب وأفلام وخطب ومحاضرات بل وحتى دخل مبنى الكونغرس والأكبر من ذلك أنه ذهب لدولة تعاديها الإدارة الأميركية طالبا المساعدة الإنسانية والعلاج لمرافقيه الذين قصرت معهم حكومتهم، لذلك فهو بهلول الأميركي المغبوط بشدة من كل المعارضين العرب، بل وحتى من بهلول نفسه لأنه لم يضطر للتظاهر بالجنون.
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
لاأجد ثمةَ علاقةً ذات معنى بين عمرو البهلول في عصر هارون الرشيد والأعمال الفنية للمخرج مور في أميركا إلا إذا أرادت الكاتبة أن تقول ان مفهوم "التقيّة" جيد! عفارم، عفارم!
مارك علي الثلاثاء 31 مارس 2009
غزة هاشم.. كربلاء بني هاشم
عفاف الجمري
ما هذه المصادفة في التشابه الكبير بين محرقة غزة ومحرقة كربلاء، في التوقيت: فالاثنتان بدأتا في العشرة الأولى من محرم، وفي حقانية القضية، وسمتها التضحوية الصارخة، لأجل الحق، ومفعولها الصارخ الذي يهز كل ضمير حر بغض النظر عن دينه ومذهبه، من كل الأنحاء، وسمتها الفارقة للحق من الباطل بوضوح وجلاء بطريقة تزيل كل الحجب وتسقط كل الأقنعة لتلقي الحجة على كل مدع للمبادئ الحقة، والتشابه في الإجراءات الميدانية للعدو: ففي الحالتين تمت عمليات القتل بوحشية ودونما أدنى حساب لأي من الأعراف والمبادئ، وفيهما تم استهداف الأطفال والنساء تحت مختلف الذرائع، وتم حرق المآوي من بيوت وخيام على الأطفال، وتم الحصار ومنع سبل الحياة، سواء من ماء وغذاء أو دواء مما يعتبر حقاً عالمياً مشاعاً للجميع لا يجوز منعه عن أي أحد تحت أي ظرف أو سبب وفي كل الأعراف والقوانين العالمية والسماوية، غير أن كربلاء بني هاشم تفوقت من حيث كونها مجزرة ومحرقة لأهل بيت النبي (ص) أشرف الخلق، وعلى يدي مسلم مدع لخلافة رسول الله (ص).
وغزة مدينة عريقة جداً تمتد جذورها لما قبل الميلاد فقد ذكر اسمها في مخطوطة للفرعون تحتمس الثالث الذي عاش في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وقد دخلها المسلمون في العام 635م وأصبحت مركزاً إسلامياً مهماً خصوصاً وهي مشهورة بوجود قبر جد الرسول (ص) الثاني هاشم بن عبد مناف، ويوجد لحد الآن مسجد يؤمه الغزاويون، يحتوي على ضريحه، ولذلك تسمى «غزة هاشم». والمدينة أيضاً مسقط رأس الإمام الشافعي (رض)، وبسبب موقعها الجغرافي واعتدال جوها وطيبة أهلها كانت محط الأنظار للمحتلين طوال التاريخ وللسياح في العصر الحديث. بقيت المدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى العام ,1994 حيث تم الاتفاق بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل. وبعد انتخابات محلية جرت فازت حركة حماس بعدد كبير من مقاعد البرلمان الفلسطيني، وكالعادة بالنسبة إلى مدعي الديمقراطية الذين يحاربونها إذا أفرزت ما يخالف أمزجتهم، فقد اندلعت كثير من المناوشات المتفرقة بين عناصر من حركتي فتح الحاكمة وحماس، ووصل الأمر ذروته في منتصف يونيو/ حزيران من العام 2007 حين أقدمت عناصر من حركة حماس على السيطرة على قطاع غزة والمؤسسات الأمنية والحكومية فيه.
ولأن السلطة الفلسطينية قد انتهجت منهج تسوية القضية الفلسطينية حسب ادعائهم «سلمياً» مثلها مثل معظم الدول العربية، بينما أسلوب حركة حماس هو مقاومة المحتل وإخراجه من كل أرض فلسطين وباللغة التي يفهمها وهي الكفاح المسلح، فقد عمدت إسرائيل منذ فوز حماس إلى التنكيل بها وبرموزها وبشعب غزة كي تضعف شعبية حماس ومبدأ المقاومة، فعمدت إلى حصار غزة ومنع دخول الإمدادات كافة عنها وأغلقت مطارها وميناءها لتضعفها اقتصادياً، وضربت بنيتها التحتية، ثم أقدمت في فبراير/ شباط 2008 على عمل محرقة على مدى خمسة أيام، عادت وكررتها بشكل أوسع وأعنف منذ 27 سبتمبر/ أيلول 2008 ولحد الآن، حيث زاد عدد الشهداء على الألف والجرحى على الخمسمئة معظمهم من النساء والأطفال، وقد استخدم الصهاينة حتى القنابل الفوسفورية المحرمة دولياً.
نعود لموضوع المقارنة، حيث إن ما أقدمت عليه إسرائيل من فظاعات يجلي بصيرة كل من كان الحق ملتبساً عليه، ولا يعرف حقيقة إسرائيل، وكل مدعي التسوية السلمية للقضية الفلسطينية تماماً كما انجلت بصائر المسلمين في زمن الحسين (ع) الذين كانوا لا يعرفون حقيقة يزيد الفاسق الشارب للخمور، أو يعرفون ويتصورون أنه يمكن من يلوذ بالصمت أن يسلم من بطشه إن لم يبايعه، فجاءت مجزرة كربلاء لتوضح للمسلمين أنه مستعد لسفك أطهر الدماء وعمل مجزرة بأبشع الطرق في أشرف أسرة ليس فقط لأجل القضاء على المنافسين، وإنما حتى لو لم تأت رسل العراق للحسين تدعوه للقدوم للمبايعة، فإنه أمر بقتله في المدينة قبل أن يخرج إن لم يبايع، حيث إن مبايعته تضفي الشرعية على خلافته. وبعد المجزرة في كلتا الحالتين انفرز الطيب من الرديء بحسب ردود الفعل التي تراوحت في مجزرة آل الرسول بين ناكر بقلبه على أضعف الأحوال وبين متمرد شاهر لسيفه للأخذ بالثأر على أحسنها فبرزت ثورة التوابين بقيادة المختار (رض).
في محرقة غزة يندى الجبين من ردود فعل معظم الدول العربية بطريقة نخجل من أن يسجلها التاريخ لتقرأها الأجيال المقبلة، ففي حين وقفت دول بكل قوتها وثقلها إلى جانب الفلسطينيين وصراحة ودونما أخذ في الاعتبار ما قد يجلبه ذلك لها من انتقام دولي: مثل موقف إيران، سوريا، وحزب الله اللبناني، الذين أمدوهم بكل الخبرات الحربية والعتاد والسلاح والمال والمؤن وحتى شبكة الاتصالات والأنفاق استعداداً لضربة متوقعة. كنتيجة لخبراتهم ودروسهم من عدوان يوليو/ تموز في العام ,2006 بحيث إن قوة حماس الفعلية كما ذكر الدكتور خالد مشعل في مؤتمر الدوحة «مازالت في أوجها وقواعدها سليمة»، وهذا من أكبر المصاديق وأوضحها لجدوى اتحاد المقاومة مع المقاومة والممانعة مع الممانعة في وجه التخاذل والاستسلام.
وفي هذا الخط أيضاً وقفت دول مثل فنزويلا وبوليفيا رغم بعدها الجغرافي وطردت السفراء وقطعت العلاقات ودعت لمحاكمة القادة الإسرائيليين في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وكذلك الحكومة التركية التي تحركت دبلوماسياً، وهناك من اتخذ مبادرات حتى لو لم تكن بمستوى الطموح، ولكنها أفضل بكثير من بقية الدول العربية، وهي دولة قطر بإقامة مؤتمر غزة الذي حتى لو لم تطبق توصياته التي تمثل الحد الأدنى، وحتى لو أفسدتها قمم أخرى للمتخاذلين والمتعاونين مع إسرائيل، فإن القرار القطري والموريتاني بالتجميد المؤقت للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية فيه نوع من الضغط السياسي على إسرائيل ويكفي قمة غزة في الدوحة أنها كسرت الصمت الرسمي وتجاوزت بعض الخطوط الحمر.
والأسوأ في ردود الفعل هي المتمثلة بالوقوف إلى جانب إسرائيل المخجلة تحت مختلف الذرائع عن طريق غلق المعابر والطرق البرية والبحرية والجوية، من قبل دول الجوار والتي حتماً كانت هذه الاتفاقات ليست آنية وإنما خططها معهم الكيان الصهيوني مسبقاً، إضافة إلى الحرب الإعلامية العلنية من قبل هذه الدول غير أن مواقفهم أظهرتهم أمام شعوبهم بلا ذمة ولا ضمير ولا حجة ولا دليل.
والنتيجة وهي الأهم أن العدو الصهيوني سيفشل كما فشل في لبنان وستنتصر المقاومة في غزة كما انتصرت في لبنان رغم المذابح والهلوكوست الإسرائيلي النازي، ورغم ما فعلته الآلة الحربية الأميركية الصهيونية بالأبرياء والنساء والأطفال، ويكفي مقاومة غزة فخراً أنها أثبتت كما فعلت مقاومة لبنان أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت. وهذا امتداد روحي وتاريخي وفلسفي لملحمة آل الرسول (ص) ولخط المقاومة للظلم بكل أشكاله الذي يجمع كل المقاومين وإن اختلفوا في دياناتهم ومذاهبهم.
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
موضوع ممتاز ويستحق الثناء شكرا لك يبنت شيخ الشهداء الشيخ الجمري
وهنا ايضا ستكون كربلاء ثانية اذا استمر الوضع كما هو عليه من ظلم للشعب
وما ضاع حق ورائة مطالب
محمد الراشد الثلاثاء 20 يناير 2009
تعليق #2
بارك الله فيك يا أخت عفاف. بس آنه ما أتفق معاك أن إيران وسوريا سلحوا حماس بالعتاد والسلاح والاموال. لأن الأموال جات معظمها من مسلمي الدول العربيه. والسلاح قد جاء من خلال الأنفاق من جهة مصر (الشعب المصري الحر). أما لو كان هناك تسليحا سوريا على سبيل المثال لكانوا سلحوا أهل هضبة الجولان المحتل أعادها الله لأخواننا المسلمين في سوريا ولقامت جبهه مسلحه هناك. أتفق معك أن موقف إيران وسوريا موقف رافض للتفاوض ولا يقارن بموقف بعض الأنظمه العربيه. لكن رأينا كيف عجزت صواريخ شهاب 1 وغيرها من حتى وضعها على منصات الإطلاق وكيف أن المجاهدين تم توقيفهم بفتاوى مشابهه بالفتاوى المعيبه إبان حرب لبنان من بعض مشايخ السنه. هذا ليس تجني على دور غيران الإسلامي ولكن دعينا من المزايدات وليعطى كل شيء حجمه الطبيعي ولحبنا لفئه أو طرف نغض الطرف عن أشياء ونكبر أنصاف الأحتمالات. دعائي للأخوه في غزه بالنصر المبين وللدول التي أخذت على عاتقها نصرة الحق بالخير وأصلح الله قادة أمتنا لما فيه خير هذه الأمه.
حسين علي الثلاثاء 20 يناير 2009
تعليق #3
أولاً هذا الأسم المسرحي أختارة المخرج والجندي الكبير والرائع السيد/محمدأحمدالحجيري بقرية بوري المعظمة الأشتراكية الأستهلاكية وليس هذا الأسم من خيالك ياكتبتنا الكبيرة ورحم الله أبانا الجمري
مجنون السعيدي (محمدالسعيد-بوري) الثلاثاء 20 يناير 2009
تعليق #4
بين عزة وكربلاء
بون شاسع ياعفاف
فأين من ضحى وفدى وعرض أهله للأسر باختياره (بغية رضا المعبود)وبين من وقع عليه ذلك قسراً وبلا خيارات
وان تشابهت أبعاد المأساة في الشكل فانها لاتقاس جوهراً بأبعاد كربلاء الأخرى
في التاريخ ملاحم مأساوية كثيرة كان الأجدر أن تستشهدي بها لمأساة غزة
وتتركي كربلاء فلا يوم كيومها ولا أرض كأرضها.
أم فدك الثلاثاء 20 يناير 2009
تعليق #5
Dear Sister Afaf,
Thank you so much for writing this nice article.
God Bless you.
Regards,
Ali.
علي أحمد الثلاثاء 20 يناير 2009
تعليق #6
جزاك الله كل خير و أتمنى دائما أن أقرأ المزيد من مقالاتك المفيدة
أسعد
أسعد الأربعاء 21 يناير 2009
تعليق #7
اللهم ارنا الحق حقا ورزقنا اتباعه /دعوه الى كل مخالف للكتاب والسنه ان يعودللحق وماكان عليه اصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وماكان عليه الخلفا الراشدون الاربعه ابو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم فهم الذين فتحو االشام وبلاد فارس والهند وافريقيا ونشروا دين الله الاسلام ودخلوا الناس بدين الله افواجا فلن يصلح اخر الامه الا مااصلح اولها كما قال عمر رضي الله عنه
ابو علي /المدينة المنوره السبت 17 أكتوبر 2009
أعمدة
تساؤلات في ذكرى الرحيل
عفاف الجمري
في خضم الاحتفالات بالذكرى الثانية لرحيل زعيم انتفاضة التسعينات الشيخ عبدالأمير الجمري، تكثر المداولات والنقاشات والطروحات. قدمت لي مجموعة من الأسئلة في إحدى المنتديات الحوارية بمناسبة الذكرى في احتفال تديره مجموعة من الشابات متحفزات بشدة وذوات مواهب فريدة، فجرتها التجربة فصيرتها واعدة، مثل أخواتهن في مناطق أخرى أيضا موهوبات وطرحن طرحا يتضمن الجواب على سؤالهن ألا وهو: ماذا حققت انتفاضة التسعينات؟ ماذا حققت وقد رجعت الأوضاع لسابق عهدها قبل الانتفاضة وكأن التضحيات كلها قد ذهبت هباء؟ فالدستور وقد تم الانقلاب عليه وقانون أمن الدولة قد عاد بثوب جديد (قانون الإرهاب) بل وأصبحت الأوضاع أسوأ، حيث إنها سابقا كانت سيئة ولكن هذا السوء لم يكن مشهرا ولا مقننا. فالمسيرات كانت ممنوعة لكن ذلك لم يكن معلنا أما الآن فقد منعت تحت قانون التجمعات. والتجنيس السياسي بدأ من التسعينات لكن من دون قانون أما الآن فالتجنيس جار ليل نهار وبقانون وهلم جرى، أجبت باختصار: صحيح كل ما ذكر وأن التجربة الإصلاحية، قد تم التراجع عنها في مهدها منذ أن تم الانقلاب على الدستور، وفتح باب التجنيس السياسي، وشيئا فشيئا أخذت المكاسب في الانحسار حتى نوشك أن ندفن آخرها (حرية التعبير)، وصحيح أن القبضة الحديدية قد عادت وكأن شيئا لم يكن، وصحيح أن الحل الأمني قد لاح في الأفق من جديد بدلا من الحوار، وأن الفساد مازال مستشريا، صحيح كل ذلك إلا أن هناك إنجازا فريدا جدا من نوعه حققته انتفاضة التسعينات على وجه الخصوص، وهو إنجاز لا يمكن سلبه أبدا بل إنه يتجدد وينمو بسرعة كبيرة كلما زاد الضغط ألا وهو (الحس الثوري المطلبي) وأقول بأن هذا إنجاز خاص بانتفاضة التسعينات لأسباب أولها: أن الانتفاضة تزعمها رجال الدين.
ثانيا: الإجماع الوطني على مطالبها من كل الطوائف والتوجهات، ثالثا: جماهيريتها الناشئة بسبب تزعم رجال الدين لها، وهذا ليس انتقاصا من النخب الوطنية التي لا ينسى دورها من زمن بعيد، لكن ولكون الشعب متدينا، فإنه لا يتحرك ولا يندفع إلا إذا تحرك رجال الدين خصوصا من ذوي الوزن الثقيل. إن انتفاضة التسعينات غيرت العقلية الشعبية السائدة بنسبة مئة وثمانين درجة، فقبلها كان الوعي السائد لدى الشعب هو: عدم صحة الانجرار وراء الثوريين بل وقد يصل للحرمة، من باب «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»[1] ووجوب التقية (عند الشيعة، وطاعة أولي الأمر عند السنة)، وبأنه علينا أن نبني أنفسنا ونربيها فكريا وسلوكيا. أما السياسة فإنه لم يحن وقتها بعد، فلا يصح التصدي لأي أمر مطلبي سياسي فذلك خلاف للعقل والشرع. الانتفاضة قلبت هذا المفهوم رأسا على عقب بسبب تصدر رجل دين بوزن الجمري لها (ورفاقه)، حيث إن الشارع يعامل الزعماء الدينيين وأفكارهم بقداسة.
الآن وبعد أن مضت حقبة التسعينات وتم الانقلاب على الدستور ولاحت في الأفق الحلول الأمنية مرة أخرى، هل يعني ذلك أن الأمر قد انتهى؟
أبدا فبجولة ميدانية سريعة على الاحتفالات المقامة في كل القرى، وبتصفح المواقع الالكترونية وزيارة المجالس والتجمعات الشبابية في القرى والمدن، يدرك المرء بسهولة بأن الشعب أصبح مسيسا من رأسه إلى أخمص قدميه، وليس هناك من لا يتحدث في السياسة والمطالب الإصلاحية من الشيخ الكبير إلى الطفل الصغير، بل إن الساحة أصبحت تولد أجيالا متفجرة، مع أنها لم تحضر الانتفاضة، حيث كانوا أجنة أو أطفالا. والجميع يطرح مطالب التسعينات نفسها وهي كما ذكرها المرحوم الجمري في إحدى خطبه بقوله: «إن أهداف هذا التوجه واضحة معتدلة موضوعية، لا تريد إسقاط الحكم ولا زعزعة الأمن، بل كل ما تريده تحقيق الأمن والاستقرار، وما هي هذه الأهداف؟ إنها كما أعلنت مرارا وتكرارا تفعيل الدستور (يقصد دستور العام 1973)، وعودة الحياة النيابية (يقصد برلمانا كامل الصلاحيات وليس الحالي)، وإطلاق سراح جميع المعتقلين، وعودة المبعدين ..[2]».
كما ذكرنا فالجميع مازال يطالب بمطالب التسعينات، المطالب الحقيقية لا المشوهة التي أعطيت لكسب الرأي العام العالمي، وعليه فحبا للوطن ؟ والحال هذه ؟ فإن أي عاقل، يدعو السلطة للعودة للإصلاح الحقيقي والجلوس لطاولة الحوار بدلا من الحلول الأمنية التي لن تجدي إلا بل تزيد الوضع تأجيجا، وتولد أجيالا متفجرة جيلا بعد جيل. فالجذوة اشتعلت منذ زمن وبقيت تحت الرماد، لا يطفئها إلا تحقيق المطالب بذاتها، لأجل هذا الوطن الغالي.. فرفقا به.
[1] سورة البقرة (195)
[2] راجع: كتاب «دعاة حق وسلام»: خطبة الجمعة بتاريخ 17 نوفمبر/ تشرين الثاني ,1995 ص 45
- كاتبة بحرينية
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
أب هو لألوان عدة، أحاطها بسماحته، احتواها، احتضنها، واضفى عليها جميعاً لمسة من ذاته، على خلاف ما هو مألوف في ثقافتنا الساجدة من ثقل الأوزار.
ياسمين روحه يطوقنا بعمق ...
رباب الأربعاء 24 ديسمبر 2008
تعليق #2
عفية على الأقلام الواعية المدركة
التواقة لقول الحق عشتي ياعفاف
يابنت العفاف والوقار
لقد أبكاني المقال وحلق بي الى ذلك الملاك الساحر
ذو القلب الحاني و الأب الكبير
رحمك الله ياوالدي يا أباجميل
شكرا عفاف
تحياتي
بوحمود الأربعاء 24 ديسمبر 2008
تعليق #3
كلمات قائدنا الراحل "الجمري" يرحمه الله
أقول بحرارة: نحن ندَّعي أننا أبناء علي(ع) فإذا كنَّا نحن أبناء علي حقَّاً فيجب أن نسير على خطِّه، ونتقيَّد بتعاليمه. لا يمكن أبداً لمن يظلم أو يسرق أو يُفرِّق أن يقول أنه من أبناء علي(ع)، هذا ليس خط علي(ع) بل هو خط الشيطان!! وشتَّان بين الخطين. ويهمنا أن نُركِّز على النتائج، والجوهر، وسلامة الخط، وصحَّة الأسلوب، بعيداً عن العناوين والمُسمَّيات. لا تقولوا أنا من خط فلان ،وزيدٌ من خط فلان ، كيف ذلك وكلُّنا أبناء علي(ع)؟ ما يهمنا هو أن نبتعد كلَّ البعد عمَّا يُفرِّقنا ويخلق الفتن بيننا.
من حديث الجمعة 7/12/2001م
وتسلمي اختي عفاف على المقال الاكثر من رائع والمعطر بأسم قائدنا الراحل والباقي في قلوبنا "ابا جميل"
واحد من الوطن الأربعاء 24 ديسمبر 2008
تعليق #4
شكرا استاذتي الكريمه على مقالك
فرحمك الله يا ابتي ايهاالشيخ الجليل رحمة من رحيم غفور . وحشرك الله مع من تحبه وتتولاه . ابتي منذ رحيلك وقلبي يعتصر الم . ابيتي منذ رحيلك وقلبي لم يجف من المه ابتي اتمنى ان تاخذني معك ايه الشيخ المبجل
رحمك الله
ابو حميد الأربعاء 24 ديسمبر 2008
تعليق #5
رحم الله قائدنا فقد كان قائدا بحق صاحب قلب كبير اتسع لجميع الطوائف
له ذكرى خالدة في نفوسنا ولا ينقص
من قدره شيئا ما آلت إليه الأمور
فكما لم ينقص شيئا من مقام الإمام الحسن عليه السلام ما قام به معاوية
من نقض للمعاهدة كذلك جمرينا.
فليس هو من أخل بما عاهد عليه الناس فلقد قال كلمته ووقف معها
ولم يتزلزل قيد انملة
رحمه الله وأسكنه فسيح جناجته وحشره مع اهل بيت نبيه (ص)
فارس بني بحرون الأربعاء 24 ديسمبر 2008
تعليق #6
هذا الموضوع يعبر عن أحساس ومشاعر المواطن وهو واقع وحقيقة نلمسها بعد رحيل القائد لان الأمة بحاجة ماسة الى قائد حر يمثل ضميرها ويضحي من أجل حقوقها ويرسم البسمة على شفاه أبنائها من الفقراء والبسطاء وأصحاب الحقوق المسلوبة ، رحمك الله ياشيخنا الجليل وطيب ثراك.
عباس العصفور الأربعاء 24 ديسمبر 2008
تعليق #7
الأخت الفاضلة / عفاف ، تحية لك على هذا المقال وتوضيحك الجميل لما حققه الأب الكبير أبا جميل .
اسمحي لي أن أقتبس كلمات كنت قد كتبتها بعد عام على رحيل شيخنا الجمري وتم نشرها في إحدى الصحف المحلية :
في يوم ذكراك يا شيخ المجاهدين أقف عند قبرك أقلب في صفحات تاريخك العظيم الحافل بالعطاء ، عطاءٌ قلَّ نظيره ، لن أكتب بلغة الأرقام عن ذلك التاريخ ، فأنت غنيٌ عن التعريف ، فقد شهد القاصي والداني بأنك عالماً ربانياً تغرف العلم من منابعه ، وسياسياً قد علمت الذين لا يفقهون معنى السياسة كيف يكونون ، وكنت اجتماعياً علمتنا معنى حب الآخرين والإحساس بهم فكنت حاضراً بيننا .
عذراً أيها الراحلُ الكبير أنت لم تمت لأنك كبيرٌ بعطائك ، جاحدٌ من ينساك ، وجاحدٌ من يقول بفنائك لأنك حاضرٌ بيننا فروحك ترفرف فوقنا وجسدك غائبٌ عنا .
حضورنا لتشييع جثمانك قليلٌ من وفاء لك ، وحضورنا في تلك الليلة القارصة لا تساوي ذرة من تضحياتك ، واليوم نجدد هذه الذكرى لرحيل جسدك الطاهر لنقدم جزءاً يسيراً من وفاءك .
في يوم ذكراك سأظل أتذكر كلماتك البالغة وحضورك وشخصك الكريم ، وأتذكر ثغرك الباسم في وجه محبيك يا أيها القلب الكبير ، وسأحكي لأبنائي قصة إباءك لأنك علمتني معنى الأبوة ، وجعلتني ابناً من أبنائك ، وسأحكي لهم أنك صافحتني يوماً بكل حنانك وسألتني عن أحوالي ، وسأحكي عن جبينك الذي قبلته يوماً لأنك لم تحني رأسك إلا لله ، وسأكتب إن أمدَّ الله في عمري أنك إنسانٌ تحمل كل معاني الإنسانية ، ورجلاً مقداماً تحمل كل معاني الشجاعة ، ورجلاً معطاء تحمل كل معاني العطاء والتضحيات .
إنني لم أرى رجلاً في هذا الوطن أحبه القاصي والداني كحبك ، لقد علمتني كيف أرفع رأسي عالياً وأطالب بحقي ، وعلمتني حب الناس كي يبادلونني المحبة .
في يوم ذكراك لن أقول وداعاً أيها الشيخ الكبير لأنك حاضرٌ في ذلك المنبر الحسيني ، وحاضرٌ في تلك الحوزة العلمية ، وحاضرٌ في تلك المؤسسة التوعوية وحاضرٌ في كل المسيرات المطلبية وحاضرٌ بيننا ، أنت في كل قرية أحببت الشعب وقلت يوماً " أني اشتقت إليكم اشتياق يعقوب ليوسف " فأحبوك فكنت يعقوبُ شعبك .
هنيئاً لهذا الوطن برجل من رجالاته العلماء رجل الجهاد رجل العطاء رجل المحبة بكل ما يحويه من معاني ، وحزينٌ هذا الوطن لفراقك ، وهنيئاً لتلك الأرض التي دفن فيها ذلك الجسد .
حسن مقداد الأربعاء 24 ديسمبر
أعمدة
مؤسسة جامعة للإفتاء
عفاف الجمري
شأن الفتاوى شأن بحر متلاطم الأمواج، فمن فتاوى ترقى بالإنسانية إلى أعلى درجات السمو وتطيح بالجبابرة وتحرر الشعوب كفتوى تحريم التبغ الإنجليزي من قبل المرحوم آية الله الميرزا في إيران في القرن التاسع عشر وفتوى مقاطعة بضائع المستكبر وفتاوى إسقاط الشاه الإيراني من قبل آية الله الخميني ومحاربة المحتل البريطاني في العراق في بداية القرن العشرين وفتاوى محاربة اليهود المغتصبين من قبل الشيخ الشهيد عبدالقادر الحسيني ومحاربة المحتل الإيطالي في ليبيا من قبل الشيخ الشهيد عمر المختار إلى فتاوى تنحدر بالإنسانية إلى أدنى درجات الحضيض كفتوى إرضاع الكبير والتبرك (والعياذ بالله) ببول الرسول وحرمة مشاهدة «ميكي ماوس» ونكاح الرضيعة وأخيراً صدرت في الجزائر فتوى تحرم تسلم الراتب الشهري والقائمة تطول.
وقد تجتهد الأطراف المتنازعة من سنة وشيعة، وتلك ظاهرة غير صحية في إظهار مثالب بعضها ويشهر كل طرف بالفتاوى المشينة للطرف الآخر أو يتصيد العلمانيون على الإسلاميين بعض تلك الفتاوى ويشهر بهم. إن هذه الفوضى تدعو حتماً العقلاء إلى التنبه لضرورة تقنين مسألة الإفتاء وتنظيمها، وألا يتصدى لها كل من هب ودب، لكن من دون أن يعني ذلك الاستبداد وإقصاء الجمهور، وإن الاعتراف بالأخطاء مرده الحرص على التقويم والتطوير وحماية الشريعة وليس بأمر يدعو إلى تخوين صاحبه.
إن مبدأ «نفّذ ثم ناقش» قد لا يلقى الرواج الكبير كما كان سابقاً، فهو مطلوب من باب الحق بالتنظيم وإسناد الأمر لأهله، لكن مطلوب أيضاً إطلاع الناس على التفاصيل وحيثيات الفتوى عن طريق وسائل متعددة كإصدار دوريات وإجراء حوارات ومناقشات علمية والاستماع أيضاً لرأي الجمهور، فقد تغيب حيثيات ميدانية على المفتي. وهذا الجمهور يشمل مثقفين ومختصين في شؤون شتى وكذلك فإن عموم القواعد الشعبية أصبحت واعية ومثقفة لا يمكن أن تعامل كما في الأزمان السالفة بمنطق الطاعة العمياء للفقهاء دونما فهم ونقاش، ولأنه إن لم تتم مراعاة عقول الجمهور واحترامها فلا يلومن أحد بعد ذلك انفلال هذا الجمهور خصوصاً المثقفين منهم عن حاضرة الفقهاء، حيث إنه من غير المقبول عقلاً أن يوقف المرء عقله عن التفكر والتأمل في فهم الآيات (وذلك ما تدعو إليه الآيات باستمرار) بانتظار أن يفهمها المفتي ليلقنه ما فهم، ومن أمثلة الآيات الداعية للتدبر والتأمل: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كبيرا» النساء:.82
«كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب»..
«أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها» محمد:.24 وقد قال القرطبي: «دلت هذه الآية على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه».
نعم، قد يستساغ الاستعانة بذوي الاختصاص، لكن لا يستساغ تعطيل العقول بشكل تام، خصوصاً أن القرآن يعج بالآيات الآمرة بالتدبر والتأمل فيه - كما مر - فكيف نصرفها؟ والقرآن يذكّر بأن ذلك سهل علينا «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر» القمر: ,17 ونحن نعلم أن «القرآن حمال أوجه» كما يقال، وأن منه دلالات متوالدة لا متناهية على مر العصور تتوالد بتطور الأزمنة بما لا يخرجه عن روح الشرع، لذلك فإن القرآن قد ذكر قيماً وسنناً جعلته صالحاً لكل زمان.
هناك رواية لأبي عبدالله الصادق (ع) في هذا الشأن، جميلة، حيث سأله رجل فقال: «عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ فقال (ع): يعرف هذا وأشباهه، من كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: ''ما جعل عليكم في الدين من حرج'' [الحج: ,78 امسح عليه»، فهو (ص) لا يلقنه الحكم بشكل آلي بل يعلمه كيف يستنبط الحكم مستقبلاً بنفسه في المواقف المشابهة، حيث إن الدين جاء لإسعاد البشرية لا لشقائها وكل ما يمثل حرجاً ينتقل عنه إلى الصورة التي لا تسبب حرجاً.
إن من الفتاوى ما قد تكون مقبولة في زمان معين ثم يأتي زمان آخر فتبدل من فقهاء آخرين، بل قد تستهجن، وذلك ليس لنقص في عقل الفقيه السابق ولا لقلة إخلاص منه، إنما بسبب عامل الزمن الذي يعطي بتطوره نضجاً للأمم والأفراد كما ينضج الطفل عندما يكبر. وعليه، فإن إشراك جميع ذوي الشأن وتشاورهم يؤدي إلى تقليل الأخطاء وللاقتراب من الحكم الصحيح الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
فالجمهور أصبح واعياً وكما يقال «العيال كبروا»، وخصوصاً مع الانفتاح العالمي على كل المستويات ووجود مختلف التيارات الفكرية والأيديولوجية، فمن حقه أن يفهم حيثيات الفتاوى ويناقشها بمختلف الوسائل، سواء عن طريق الدوريات أو الحوارات أو البحوث التخصصية المنشورة كما يفعل ذوو كل اختصاص، فالطبيب الناجح مثلاً هو الذي يتعامل مع المريض على حسب درجة وعيه، فإن كان بسيطاً يكتفي بإعطائه الدواء وفكرة عامة عن مرضه، أما إن كان على درجة من العلم والوعي فإنه يشعر بالإهانة إن لم يطلعه الطبيب على تفاصيل ودقائق مرضه وحيثيات وأسباب اختيار هذا الدواء والعلاج من دون غيره، بل قد يتشاور الطبيب والمريض في ترجيح علاج على غيره وكم من مريض خصوصاً في الأماكن ذات المستوى الحقوقي المتقدم بحث في مرضه فتوصل إلى علاج أنجع عند أطباء آخرين مما وصفه له طبيبه.
وإذا كان ذلك فيما يتعلق بالطب فما بال ما يتعلق بنظام الحياة، إن المتلقي في الوقت الحالي وصل إلى درجات من الوعي كبيرة تؤهله - ومن دون أن تخرجه من دائرة الإيمان - أن يخوض حوارات مثمرة تنضج الفتاوى لا الأحكام؛ لأن الفتوى تختلف عن الحكم، فهي تحاول الوصول له وقد توفق وقد لا توفق. هذه الحوارات إيجابياتها تعم على كل الأطراف. إن عدم احترام عقل الجمهور المثقف قد يقود إلى تجاوز المفتين ممن هم على رأس الهرم في أي مجتمع، وعليه فالحلم - إن صح لنا أن نحلم - هو وجود مؤسسة إسلامية كبيرة للإفتاء، على مستوى العالم الإسلامي جامعة لكل طوائفه وتشمل الجنسين (المختصين بعلوم الشريعة من الرجال والنساء) وتستعين بالخبراء في كل المجالات لإنضاج الفتوى، وتنشر بحوثها بكل الوسائل وتسمح بالحوارات والنقاش، وتقبل النقد البناء وتجري مراجعة دورية للفتاوى السابقة والحاضرة نافية عنها صفة التقديس؛ لأنها ليست قرآناً وإنما هي جهد بشري.
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
مموضع في الصميمـ
شكـــرا
كدومي الثلاثاء 11 نوفمبر 2008
تعليق #2
ليست قرآناً وإنما هي جهد بشري.
اخر المقال مالمقصود منه؟؟
الربيع الثلاثاء 11 نوفمبر 2008
تعليق #3
عجبتيني يا أختي الفاضلة عفاف ,كلام صحيح وعين العقل ,ويا ليت الناس يستمعون لك ,لان الناس في زمننا هذا اصبحوا يصدقون يقدسون البشر اكثر من القرآن ,وهذه هي اصل وسبب المصائب التي تحصل في مجتمعاتنا ,وسبب الاختلافات في الاوقات والمناسبات
واخيرا اشكركي كثيرا على طرحكي هذا الموضوع المهم وبكل جرأة وصراحة ,والله يوفقكي
انا سنية وافتخر فيكي وفي عقليتكي المتفتحه
waheeda الثلاثاء 11 نوفمبر 2008
تعليق #4
تحية للكاتبة المحترمة وتحية للأخ الربيع - نعم فتاوى الفقهاء جهد بشري الفقيه لا يجزم بصحة استنباطه 100% وهذا وكما ذكرت الكاتبة ليس انتقاصا من الفتوى أو المفتي وإنما ينبغي النظر الى تغير الزمن والأساليب في إطلاق الفتوى التي لها علاقة بذلك. فلو جاء فقيها قد توفاه الله قبل عشرات السنين وقيل له أفتنا في مسألة كان قد افتى فيها قبل عشرات السنين فإن فتواه حتما ستتغير.
ابراهيم الثلاثاء 11 نوفمبر 2008
تعليق #5
شكرا للكاتبة القديرة عفاف الجمري - ثم اضيف على اخي المعلق ابراهيم - صحيح اخي ما قلته فهناك فقهاء من علمائنا الشيعة حرمت في السبعينات استعمال السماعة والمكرفون باعتبار انها تلحيين في الصوت وغيره ـ لكن الان لو تاتي به وتقول له افتنا فيها - طبيعي واكيد ستتغير فتوته ..
وشكرا للكاتبة
والسلام عليكم
بحراني الأربعاء 12 نوفمبر 2008
أعمدة
هل الخطاب القرآني ذكوري؟
عفاف الجمري
يقول المرحوم الشيخ محمد الغزالي في كتابه (مكانة المرأة في القرآن) عن قضية المرأة بأنها ''تعني وتخص نصف البشرية أعني نصف العمران الإنساني في ماضيه وحاضره ومستقبله (...) هي قضية المجتمع كله[1]''.
أما الناشطة النسوية رفت حسن فتقول ''إن القرآن أكثر إنصافًا بشأن النوع، بينما تستمد معظم الأحكام الإسلامية المجحفة بالنساء مصادرها من الحديث[2]''. وفي الإجابة على السؤال: لماذا تُضطهد النساء المسلمات رغم المساواة المنصوص عليها في القرآن؟ ترى رئيسة ''مركز الدراسات الديمقراطية في إندونيسيا'' لِيلي زكية مُنير أن المسؤول عن ذلك هي الأعراف الاجتماعية للثقافات الأبوية. وباستقراء الآيات القرآنية نجد أن هناك على الأقل ثلاثين آية في القرآن تدعم المساواة بين النساء والرجال وتشير إلى حقوق النساء في مختلف نواحي الحياة، من مثل: بسم.. ''يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم'' [الحجرات: 13].
''أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض''. [آل عمران:195].
''من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون''. [النحل:97].
''من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب''. [غافر: 40].
''ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً''. [النساء: 124].
وذم سبحانه الاستهانة بأمر البنات بأبلغ الذم فقال تعالى ''وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوّداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هُونٍ أم يدٌسُّه في التراب ألا ساء ما يحكمون'' [النحل 59 ,58]، ''وإذا الموءودة سُئلت، بأي ذنب قتلت''. [التكوير: 8,9].
ففي مسألة خلق الإنسان مثلا: فإنه على عكس العقيدة المسيحية وما دخل على الحديث من الإسرائيليات، التي تنصُّ على أن النساء خُلِقْنَ من ضلع الرجل (بل ومن ضلع أعوج)، يخبرنا القرآن أن النساء والرجال خُلِقُوا من (نفس واحدة). ولا توجد آية واحدة في القرآن تشير إلى تفوق جنس الرجل على المرأة بل ''إن أكرمكم عند الله أتقاكم''.
ثم إنه لا يوجد أي فرق بين إثم الرجل أو المرأة كما رأينا في الآيات وهناك عدد كبير من الآيات التي تتضمن عقاباً وثواباً متساوياً للجنسين ''إن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى''.
كما أنه للرجال والنساء حقوق وواجبات متساوية في الانخراط في النشاطات العامة، وهم ملزمون بالعمل من أجل حياة نزيهة مستقيمة ''وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ'' [التوبة:71].
يقول آية الله السيد محمد حسين فضل الله ''إنَّ الفكرة التي تحبس دور المرأة في نطاق خاص، أو تحبس دور الرجل في نطاق خاص، هي فكرة غير عملية وغير صحيحة. وقد اعتاد الناس على أن يجعلوا لكل إنسانٍ دوراً بحسب اختصاصه. كما نلاحظ أن الناس، في بعض المجتمعات الإسلامية، يحصرون دور الفقيه في العمل الفقهي، ولا يريدون له أن يتدخل في الأعمال الاجتماعية أو السياسة[3]''.
وبتحليل أدق للخطاب القرآني نجد أنه من ناحية التفضيل، لا نجد هناك مقياسا للتفضيل غير التقوى ولا فضل لذكر على أنثى ولا لأنثى على ذكر إلا بالتقوى كما رأينا في الآيات.
من ناحية آيات التكليف، فإن بعضها يخاطب الجنسين إما بلفظ مطلق الجنس ''لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم'' [النور:11]، ''للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله'' [النساء:32]. أو بتفصيل ذكر اللفظين الدالين على الذكر والأنثى، كما رأينا، وهناك تكاليف مشتركة، وأخرى مختلفة على حسب اختلاف التكوين الجسدي. وفي هذا عدالة لأن التشابه التام في المسؤوليات مع اختلاف الخلقة فيه ظلم لأحد الطرفين ''ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض [النساء: 32] فكلا الجنسين مفضل على الآخر بأمور مختلفة علينا مراعاتها.
فقط عند ذكر الملذات وبالذات الجسدية وما يتعلق بالمعاشرة الزوجية، فإنه يلاحظ أن فيما يتصل بالمعاشرة والإنجاب فإن الآيات دائما تخاطب الرجل على أنه هو الفاعل، وأن المرأة إنما هي المستقبل وبالنسبة للإنجاب فهي مزرعة والزارع هو الرجل ''نساؤكم حرث لكم'' [البقرة: 223]. ودائما يخاطب الرجل لا المرأة على أنه المستفيد وأن المرأة تمثل جانب الإغراء أو المكافأة، فهل لأن المرأة هي مركز الإغراء وتمثل الزهرة التي تجتذب النحل؟ أم لأنه سبحانه يريد أن يربي النساء على الحياء من الجهر بالرغبة الجسدية؟ ولذلك نجده يبشر الرجال بتحقيق الرغبات الجسدية في الجنة ''حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ'' [الرحمن 72]، ولا يفعل الشيء نفسه مع النساء.
وعندما يصنف ملذات الدنيا فهو يخص الرجال بالخطاب ويصنف النساء من ضمن الملذات ''زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة'' [آل عمران 14].
في كل الأحوال علينا أن نضع في الاعتبار أن كل الإجحاف الذي وقع على النساء هو من صنيع الفقه المتأثر بشتى العوامل من دخول الديانات المحرفة (الإسرائيليات)، وعادات الشعوب التي دخلت في الإسلام والبعد الزمني بيننا وبين زمن الرسول (ص)، وما تبع وفاته من صراعات سياسية تسلل على إثرها التحريف، وثم عصور الظلم المتتالية والتي تسلل مفعولها أيضا لكل شيء.
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
شكرا أخت عفاف على هذا المقال المتميز
صفاء الثلاثاء 28 أكتوبر 2008
تعليق #2
الأخت عفاف هذا المقال من أجمل المقالات التي قرأتها لكِ ، لقد أصبت ِ كبد الحقيقة ، فالمرأة في مجتمعنا مظلومة مهضومة الحق مع أنها كما تفضلتي تمثل نصف العمران الإنساني في ماضيه ومستقبله، أعتقد أننا بحاجة للمزيد من المقالات كهذا المقال لإسادة الوعي في المجتمع بالخصوص لدى رجال الدين المنغلقين فهم لهم التأثير الأكبر في هذا الجانب إذ أنهم يُجحفون في حق المرأة على علمهم بمكانتها في الإسلام الذي كرمها وشرع لها حق وواجب أكثر من الديانات الأخرى...
جميل المقال لأنه يحوي على أدلة قرآنية دامغة منطقية وهي أقرب ُ إلى العقل...
شكراً لكِ وننتظر المزيد من مثل هذه المقالات المهمة
تحياتي
حسين جواد
حسين جواد الثلاثاء 28 أكتوبر 2008
تعليق #3
طرح جداً راقي وهذا ليس بجديد على عفاف الجمري عندما تكتب او تحاكي القلم والفكر الاسلامي بأبداع واسهاب جميل وسلس ولكن على اختنا الجمري ان تراجع مفرداتها جيدا لاسماء لاتليق بها هذا النعت وحتى الاحترام تمنياتنا لك بالصحة والعافية والنجاح المستمر والرحمة الواسعة للشيخ الوالد رحمة الله عليه
حيدرعبدالرحيم الشويلي الأربعاء 5 نوفمبر 2008
أعمدة
شيخنا القرضاوي.. ما هكذا عهدناك
عفاف الجمري
وجّه أستاذ العقيدة والفلسفة وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عبدالمعطي بيومي «عتاباً هادئاً» للشيخ يوسف القرضاوي، قائلاً إن «خلاف المذاهب لا يعالج بهذه الحدة التي ظهرت في تصريحات الشيخ»، محذراً من أن «جهات دولية تنتظر مثل هذه الأمور لتشعل الخلاف بين المسلمين السنة والشيعة». وأضاف «الخلاف السني الشيعي معروف، وجبل الجليد قائم بين المذهبين منذ مئات السنين، ولا يمكن تحطيمه بالفأس، ولكن بالحوار والروية»، معتبراً أن القرضاوي «أصبح ذا نبرة حادة الآن، تختلف عن هدوئه المعهود ومنهجه الأسبق[1]».
والشيخ القرضاوي هو من أكبر علماء المسلمين السنة له باع وعمر طويل في الدعوة والجهاد وإسهامات رائدة في العمل الإسلامي، وسطي الخط ومن دعاة الوحدة والتقريب وقد أسس مع مجموعة من العلماء المسلمين من كل الطوائف الشيعية والسنية والأباضية (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) في العام ,2004 والذي تم تحديد سماته (بالإسلامية، العالمية، الشعبية، الاستقلال، العلمية، الدعوية، والوسطية والحيوية)[2].
وقد تولى الشيخ القرضاوي رئاسة الاتحاد في حين نابه من الطائفة السنية العلامة عبدالله بن بيه ومن الطائفة الشيعية آية الله الشيخ محمد علي التسخيري ومن الطائفة الأباضية مفتي عمان الشيخ أحمد الخليلي.
غير أن تغيراً طارئاً على نهج الشيخ الوحدوي بدأ بالظهور مع إعدام صدام وتفاقم الأزمة الطائفية في العراق فلوحظت له مواقف لا تتسم بالحياد والأبوية. إلا أن تصريحات له أخيرة في 9 سبتمبر/ أيلول الماضي، في صحيفة «المصري اليوم» أكدها في صحيفة «الشرق الأوسط» في 25 من الشهر نفسه دعا فيها إلى التصدي لما أسماه بـ «التبشير الشيعي في البلاد السنية»، أثارت سجالاً شديداً بين العوام والمثقفين من السنة والشيعة، من أرجاء العالم الإسلامي كافة، كادت أن تتحول إلى فتنة كبرى، ما يعد انقلاباً على أساس «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» وفي وقت قياسي جداً. فهناك أكثر من مشروع تقريبي حدث ولايزال في العالم الإسلامي، إلا أن ما يميز هذا المشروع هو عالميته، وتلك المشروعات بعضها انتهى بوفاة مؤسسيها مثل مشروع الشيخ الأفغاني والشيخ محمد عبده، إلا أن هذا المشروع يشهد هذا الانقلاب وفي وقت قياسي وعلى يد رئيسه وأبرز مؤسسيه، وذلك ما يدعو للإحباط ويبرز هشاشة هذه المؤسسة وعدم تنظيمها. فإن كان لدى الشيخ ما يزعجه لهذا الحد، كان الأولى أن يناقشه داخل المؤسسة وتوضع له الحلول مع إخوته من العلماء، أما أن يفاجأوا بتصعيد من الخارج وعن طريق الصحافة وبطريقة تؤجج المتطرفين من الطرفين بطريقة يصعب على المعتدلين السيطرة عليهم ويتصيد المتصيدون في الماء العكر من قنوات فضائية وغيرها، فهذا يعد بمثابة رصاصة الرحمة تجاه صدر هذه المؤسسة الوليدة.
وليس معلوماً أسباب فشلها على وجه التحديد، لكن ما حدث أوضح بأن حالها حال كل المؤتمرات التجميلية التي تعقد في كل مكان باسم الوحدة الإسلامية والقائمون عليها هم أبعد ما يكونون عن الوحدة إن لم يكونوا من أكبر مخططي الطأفنة، ولنضع النقاط على الحروف: فمؤسسات الوحدة لكي تكون حقيقية ينبغي أن تكون ذات إرادة حقيقية واعية لأهمية الوحدة بعيدة كل البعد عن الساسة والحكام؛ لأنها بالمطلق ليست في صالحهم، وتستند إلى تجميع الجهود بشأن المشتركات وهي كثيرة أهمها محاربة المحتلين والمستكبرين مستندين إلى الأصول المشتركة في العقيدة والشريعة من عبادة الله الواحد، الصلاة، الصيام، الحج، والزكاة، مبتعدين عن كل ما يذكي الخلاف. فتراثنا فيه أصول الوحدة وفيه بذور الفتنة فبوعي القادة العلماء يتم تحجيم التراث المفخخ وحصره في الماضي ومنع كل ما من شأنه أن يؤجج الطرف الآخر، فيمتنع الشيعة عن سب الصحابة (وهذا هو ما أفتت به مراجع شيعية مهتمة بالشأن الوحدوي من مثل آية الله السيدمحمد حسين فضل الله) وفي الوقت نفسه يمتنع السنة عن ترديد اتهامات للشيعة بأنهم مخادعون يستخدمون التقية (فهي مفهوم تاريخي لا أثر له في الواقع الحالي إطلاقاً يستفز الشيعة كاستفزاز السنة بالسب) وعن تهميشهم وإقصائهم في بلدانهم واتهامهم بالعمالة للخارج. ويساعد على ترسيخ الوحدة المشروعات والمؤسسات المدنية المشتركة ذات الصبغة الاجتماعية، الثقافية، والسياسية.
أما ما تحدث عنه الشيخ وليس معلوماً مدى واقعيته، فإن كانت هذه تحركات فردية فلا ضير منها فهي من باب حرية العقيدة، فالشيخ ماهر حمود وهو من العلماء السنة وقبله أمير حركة التوحيد الإسلامية في لبنان المرحوم الشيخ سعيد شعبان، من أشد الحريصين على الوحدة، وفي مقابلة للشيخ ماهر مع إحدى الفضائيات التي حاولت أن تستفزه بكل ما أوتيت من قوة فذكرت من بين ما ذكرت عن حركة تشيع في مجتمعة السني فرد عليها بأن ذلك مبالغ فيه وما هي إلا حركة أفراد بعضهم «يتشيع» وبعضهم «يتسنن» ولا ترقى للظاهرة، بل ذكر أنه تسنن في المسجد الذي يصلي فيه أفراد منهم سائقه الشخصي، وأنه مهتم مع إخوانه الشيعة بمحاربة العدو الصهيوني. لو صح اتهام الشيخ القرضاوي بوجود حركة منظمة مدعومة خارجياً فذلك خطأ، لكنه لا يعالج بالفوضى وإثارة الفتنة في وقت هي على وشك الاشتعال، إنما عبر مؤسسته التي يرأسها والتي فيها أعضاء مخلصون من كل الطوائف وكل البلدان الإسلامية ومؤثرون يتم التدارس معهم كيفية معالجة الأمر عبر القنوات الدبلوماسية الطبيعية والحوار الذي طالما نادى به وبأنه مستعد للتحاور حتى مع اليهود (لا الصهاينة الغاصبين) والتعاون في ظل القواسم المشتركة[3] فليطبق ذلك على بني دينه. وأخيراً فالشيخ القرضاوي يجله الجميع سنة وشيعة ولا أحد ينكر تاريخه المعطاء وجهاده ولأنه بهذا الحجم فالهفوة منه تصبح كبيرة.
اضف تعليقاً المزيد من مقالات الكاتب السيرة الذاتية للكاتب مراسلة الكاتب
التعليقات
تعليق #1
نعم هفوة فضيلة الشيخ القرضاوي كبيرة لأنه كبير عند الملسمين عمومآ من سنة وشيعة..والغريب أن كل - وأشدد على كل - الذين أنبروا للدفاع عنه هم من التكفيريين الذين كانوا يكفرونه من قبل لأنه كان وسطيآ معتدلآ. أما العلماء الذين نصحوه وهم كثر من الأخوة المصريين وغير المصريين وطالبوه بالإعتذار أو بالرجوع عن تصريحاته المثيرة فإنهم معتدلون محبون للوحدة الإسلامية كالمفكر الإسلامي العوا وطارق البشري وفهمي هويدي وشيخ الأزهر طنطاوي...وأما من دافع عنه فكان دفاعه من باب " ليس حبآ في معاوية ولكن بغضآ لعلي " أوكما يقول المثل العامي ( ما أحبك ولكن أحب الفتنة ).
تاريخنا الإسلامي ملئ بالمصائب ولو تم إسترجاع حوادث الماضي لما سلمت شخصية من شخصياته وخصوصآ من تولوا أمر المسلمين وأوغلوا في دمائهم.
.أما بالنسبة لأسطوانة سب الخلفاء فهذه ليست من ثوابت الإمامية كما يدعي من يخالفهم الرأي ولا من معتقداتهم ونحن نرتاد المجالس الحسينية منذ عقود ولم نسمع أحدآ يسب أيآ من الخلفاء ..نعم الشيعة ينتقدون أفعالهم وهذا من حقهم لأن الخلفاء ليسوا معصومين ولا ملائكة.
أما بالنسبة للتقية..فالتقية أكثر ما تجدها عند بقية المذاهب الإسلامية وما مداهنة ولاة الأمر والتستر على أغلاطهم وعدم مناصحتهم إلا خوفآ ورعبآ منهم وهذه هي التقية بعينها..وإن لم تكن تقية فهي نفاق والنفاق أشد من التقية.
أما مذهب أهل البيت فهو مذهب رافض للظلم و معارض ومشاكس ومناكف ومطالب بالحقوق دائمآ ولا يخشى في الله لومة لا ئم فأين كل هذا من التقية ؟..ورغم ذلك فمبدأ التقية هو أصل قرآني لمن أراد أن يتدبر ويعتبر..وما مناصحة ولاة الأمر ومصارحتهم إلا حبآ فيهم وبغضآ لما يكن سببآ للخروج عن طاعتهم وأمرهم.
نقول وكلنا ألم وحسرة ..بخروج فضيلة الشيخ القرضاوي حفظه الله وأطال في عمره من دائرة الوسطية والإعتدال خسر العالم الإسلامي علمآ من أعلامه الذين جاهدوا لجمع المسلمين على كلمة سواء..وتُركِت الساحة للجهلاء الذين يفتون بغير علم ولا كتاب منير..تُركت الساحة للتمزيقيين محبي الفتن والتكفيريين الذين لم يسلم أحدآ من ظلمهم وخبثهم وطائفيتهم..ولكن هيهات هيهات لن يرجع الزمن للوراء..سيتحد المسلمون من جديد لأن المشتركات أقوى وأرسخ من المفرقات..اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وإحفظ المسلمين بجميع طوائفهم ومذاهبهم.
عبدالله حبيب الفرج الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #2
شكرا على الموضوعية في مقالك واذا عرف السبب بطل العجب ان ابن القرضاوي انتقل من فكر الى اخر وهذا لا يتحمله طائفة باكملها
ابوعلي الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #3
شكرا استاذة عفاف على مقالك الرائع.
بعد اتهام القرضاوي للشيعة باتهامات لاتليق بمن هو في مستواه العلمي،يتبين لنا ان الجوقة التي ايدته وساندته هي من تيار اسلاموي واحد،إذ اني لم ار مصفقا ولا مهللا إلا وله انتماء للفكر الوهابي الذي يستهويه الرقص على مسرح الفتنة المذهبية.نظرة على موقع القرضاوي نرى اول المصفقين هو الوهابي سليمان العودة وباقي شلته من ذوي الاحتياجات الخاصة المتشددة التكفيرية.انني كمسلم لا اطلب شهادة تؤهلني لدخول الحنة لا من القرضاوي ولا من العودة واشباه العودة،فالله سبحانه وتعالى لم ينصبهما حارسين على ابواب جنته التي عرضها كعرض السماوات والارض،التي اعدت للمتقين والمؤمنين وليس للوهابية فقط.
دع الوهابية تكفر وتبدع فالقباب والمنائر لن تختفي،وليس تكفيرهم لنا هو آخر الكون بالنسبة لنا،فهم دأبوا على ذلك التكفير منذ مائتي سنة او يزيد،لكن عقارب الساعة لن ترجع للوراء،والله على مايفعلون شهيد.
مصطفى سعيد العرب الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #4
نشرت عدد من المواقع و القنوات خبرا مفاده تشيع ابن الشيخ القرضاوي و المفترض انه الشاعر المصري عبد الرحمان يوسف,وجعلت ذلك سببا مباشرا للتصريحات التي ادلى بها مؤخرا الشيخ لصحيفة المصري اليوم وتحدث فيها عن بدعية الشيعة و مخططاتهم لنشر التشيع بين السنة, وهو ماشكل ضربة كبيرة لمعنويات الشيخ.
Aqeel الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #5
يااختي الكاتبه انا اتابع لك كتاباتك وهناك بعض شيوخ الدين وعلماء الدين من الطائفه الشيعيه اخواننا تجاوزا في تصريحاتهم وفي بعض الفتاوي ولكن لم نري منك اي اعتراض او تعليق والدكتور القرضاوي خط احمر تحياتي
صلاح الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #6
الشيخ الامام يوسف القرضاوي لم يقل ما قاله الا بعد ان صبر كثيرا وطفح الكيل فما فعلوه في العراق يهدم كل دعوة للوحدة ويخيف كل مسلم سني من تكراره والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين
مسلم مؤمن الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #7
الحرص مطلوب من الجميع , على تجنب الموروث الاسلامي الخاطئ والانصات الى العقل و المنطق و اتباع الخلفاء الراشدين و اهل البيت ع و ذلك انفع و اثوب
سلمان الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #8
الاخت عفاف بارك الله لك على كل كلمة ولاكن انتي تتعبي نفسك مع بشر لو تعطينهم عيونك لنكروا الجميل انا من يوم كنت صغير ابي اسمع بس واحد سني يقول اخوانا الشيعة ابد ماسمعتها.
ليش كلا الشيعة الي تطلب الوحدة من سنين احنا نطلب الوحدة واحنا اكثر فئة يسفك دمائنا وتشرد وتتهم نسائنا وتقذف بكلمات جارحة ويهان المذهب وووو ... الكثير الكثير من الامور التي لاتطاق .. فالشيخ القرضاوي انسان متقلب وينم عن حقدة البغيض للطائفة وحتى لو سمعنا منة كلام معسولا ماهو الا لحظات ليسعد من امامة فقط عفاف الاخت الفاضلة .. نحن ندعوا للمستحيل ونخدع انفسنا جميعا عندما نقول نتحد معهم فكيف نتحد وبعضهم في دمه الحقد القاسي علينا ؟؟؟؟
عالم الحقيقة الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #9
لقد ثبت إن كل هذه الأهتمامات بالتقارب ما هي إلا حبوب فاليوم و احد يشجب و واحد يندد و واحد يقتل قتل اسلامي بالمثاقب و في ألأخير ننادي بالأخوه و التسامح الديني . سيناريوهات و تمثيليات للأستهلاك اليومي . فمثل ما نقول قدامك منظرة و وراك مقص . شتم عيني عينك و تكفير عيني عينك و كلها ندد و نشجب و باستحياء . فلنتفق و نشجب و نظع قوانين و ضوابط للأدانة و أحكام راعدة و لننشرها على الملاء و في كل مناسبة إذا كنا صادقين . و ما نريد كلام كله عسل و فوقة الدسم طافح .
حسن المرزوقي الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #10
أنا استغرب من السني الذي يتحول لشيعي أو الشيعي الذي يتحول لسني ومن الذين يسرفون في بذل المال والوقت في سبيل ذلك وكلنا أهل لا إله إلا الله .. تعالوا نقف في الحياد ولا نحتكر الجنة .. أكذوبة أن نظن إننا على حق والآخرون على باطل وإن مفاتيح الجنة أمانة عندنا من خازنها رضوان .. بالله عليكم اتركوا المسلمين ينشغلوا بلقمة عيشهم وكفاكم ما صنعتم بنا من تفريق بين الناس وتأجيج قلوبهم عل بعضهم وهم أخوة وكلهم أبناء لآدم .. هذا بدل ماتدعوا لتقبل الآخر والرحمة والرأفة به تمزقون جسد هذه الأمة ..
ياأخوة تأكدوا إن كل من يتخلى عن مذهبه هو دخيل وعميل لجهة ما ، يريد الدخول لبيت المذهب الآخر ليطعنه من الداخل ، وهذا مافعله كثير من المتحولين من غير ذكر أسماء .. ياليت ثم ياليت كل الأموال الطائلة التي تنفق لتشييع أو تسنين الناس تنفق في شراء خبز لفقراء المسلمين ياليت !!!
علي ياسين الثلاثاء 7 أكتوبر 2008
تعليق #11
بسم الله
إنني لا ألوم شيخي القرضاوي أبدا فالحياة صعبه وهي تغير الإنسن فكيف بما عاناه شيخي فحتما حياته كفيلة بتغيره والله المستعان
الياسمين الثلاثاء 4 نوفمبر 2008
تعليق #12
نتمنى من الأخوة الكتاب وبعيد عن الخانات الدينية الضيقة أن يكون الرأي والفكرة في مصلحة الأمة وليس الفتنة. وكفاكم تختارون ماترونه معيب ولا يغتفر من النظرة الطائفية الضيقة لكم وتغضون النظر عن فتاوي اكبر
علي باقر السبت 10 يناير
Friday, April 30, 2010
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment