المرجعية و ولاية الفقيه 22/8/2006
المرجعية و ولاية الفقيه
كثر الحديث في الآونة الآخيرة عن مصطلح المرجعية و مفهومها، و ولاية الفقيه و علاقتهما ببعضهما، و ما لهما و ما عليهما، و من أهم ما أجج هذه الإثارات إعلامياً أحداث لبنان و علاقة حزب الله بإيران، و محلياً الانتخابات القادمة و مشاركة جمعية الوفاق فيها.
المرجعية في الفقه الشيعي مصطلح أشمل من ولاية الفقيه: فهي ببساطة الرجوع في الأمور العامة و الخاصة للفرد و الأمة لعالم الدين الذي يمتلك الرصيد الأعلى بين أقرانه من علماء الدين في العلم و النزاهة و الرشد و التقوى، و الالتزام بفتواه باعتبارها الأقرب للحكم الصحيح الذي يعلمه الله حيث أنه ( ما من واقعة إلا و لله فيها حكم )، قد يكون هذا الحكم صريحاً في القرآن أو السنة الصحيحة أو مستنبطاً بوسيلة عقل المرجع استناداً على القواعد الفقهية العامة المستخلصة من الكتاب و السنة الصحيحة، و هنا يطرح إشكال و هو: ما الذي يضمن للعامة بأن هذا المرجع هو الأعلم أو الأتقى و الأرشد؟ و حتى لو كان كذلك ، هل ينفي ذلك عنه النقص، على اعتبار أنه ما هو إلا بشر في النهاية؟
فتكون الإجابة العملية هي تعدد المراجع ، كل يختار مرجعه بحسب قناعته المستندة على شهادات الخبراء بأنه الأعلم ، أو أنه يكون متجزئاً في الأحكام الفقهية الشخصية بأكثر من مرجع، و ملتزماً بواحد في الأمور السياسية العامة باعتبار أن ذلك أسلم للعقد من الانفراط ، و في كل الأحوال فإن العوام بفطرتهم يتجهون و يميلون للتجمع حول جهة واحدة من باب ( قلدها عالم و اطلع سالم ).
أما ولاية الفقيه فهي نظرية كان لها إرهاصات قبل الإمام الخميني ( ره ) و لكنه أول من بلورها بشكل حرفي، و وضع أسسها النظرية و طبقها عملياً. فقد دأب فقهاء الشيعة قبله على مدى أربعة عشر قرناً يبتعدون عن فكرة تسلم زمام الحكم، فهم قد يدخلون في السلطة التنفيذية كوزراء أو التشريعية كنواب برلمانين أو كمستشارين أو حتى القضائية، و لكنهم يشكلون على أنفسهم تسلم زمام الحكم أو السعي له باعتباره من صلاحيات الرسول (ص) ثم الأئمة المعصومين (ع) فقط و فيه مافيه من إسالة الدماء التي هي من أكبر المحرمات التي لا يتحملون تبعاتها فكانوا يرون أن الفقيه له ولاية على العامة فقط في الأمور الفقهية الشخصية التي لا ترقي للدم و لا للحكم و لكنهم بعد بحوث نظرية كثيرة و مناقشات حوزوية على مدى سنين توصلوا إلى أن الفقيه الأعلم الأتقى هو أولى من يتسلم زمام الحكم بعد الرسول (ص) و المعصومين (ع) و وضعوا أسساً نظرية و ادلة شرعية لذلك من الكتاب و السنة، بل أن أحد الباحثين و هو الشيخ علي الكوراني ذكر بأن نظرية ولاية الفقيه ليست شيعية بحتة و إنما هي سنية أيضاً، و أتى بأدلة من الفقه السني على وجوبها و على أساس نظرية ولاية الفقيه يتصدى الفقيه ( الجامع للشرائط ) لإقامة دولة إسلامية على بقعة من بقاع الأرض و بذلك تكون ولايته واجبه على جميع المسلمين، يبايعونه و يأتمرون بأمره و يكون له جهاز إداري كالشبكة في كل أنحاء الأرض يوصله بقاعدته، و الولاية هذه يفضل أن تكون في الامور السياسية العامة بالإضافة إلى الشخصية الفقهية الخاصة و لكن عندما لا يكون هذا الفقيه هو الأعلم في الفقه و لكنه على رأس الدولة الإسلامية و الأرشد في السياسة فبإمكان العامة تقليد مرجع آخر أعلم في الفقه، و لكن يلتزمون في الأمور العامة بالولي الفقيه. كانت هذه هي نظرية الإمام الخميني (ره) التي على أساسها ارتبط حزب الله بهم في البداية، و لكن بعد ذلك تطورت المفاهيم ، فمنذ البداية كان هناك من الفقهاء مثل السيد محمد حسين فضل الله الذي لم يرتئ ولاية الفقيه على أنها لفقيه واحد و إنما لكل مرجع توفرت فيه الشروط، فهو يرى التعدد ثم عدل بعد ذلك مؤخراً إلى أنه لا حاجة إطلاقاً لولاية الفقيه السياسية، و إنما يستعاض عنها بمجالس الشورى و الخبراء الأتقياء الراشدين، أما الشيرازي (ره) فكان منذ البداية يرى فكرة ( شورى مراجع التقليد ) كبديل عن ولاية الفقيه ، و حتى حزب الله عاد فأحدث نقله في سياسته عندما قرر الدخول في الحكومة غير الإسلامية و الانخراط فيها على أساس أنها الوطنية و بقيت الحكومة الإسلامية في إيران فقط لإعطاء الشرعية الإلهية في الجهاد بالنفس في وجه إسرائيل . و مما يكثر منتقدو المفهومين من طرحه هو ترسيخها للطائفية أو السعي للهيمنة ، و الواقع يرد على هذا الطرح فإذا كان تنظيم الأمة على أساس خلايا كل خلية ينتظم فيها المتجانسون من توجه واحد، تنظم نفسها لتتحد مع بقية الخلايا ضمن الهدف العام للأمة ، لا خلافه و لا ضد خلايا جسد الأمة الأخرى ، فإن ذلك فيه انتظام يدفع للعمل بشرط عدم التآزر ضد الأخوان داخل جسد الأمة و هذا لم يشهد به الواقع ، فلا حزب الله وجه سلاحه أبداً ضد أخوانه اللبنانيين أو غير اللبنانيين من أبناء الأمة العربية و الإسلامية ، بل و لم نرَ ذلك في أدبياته بل أنه كان ضد الحرب على العراق منذ البداية بالرغم من مجازر صدام في الشيعة و الأكراد ، و لم يثبت أيضاً أنه يحاول الهيمنة على الطوائف الأخرى في لبنان ، بل سعى حزب الله لتثبيت أركانه و حماية نفسه و أرض لبنان بالسلاح ، ووجود إسرائيل ، مجرد وجودها في الوجود يعطي الشرعية لكل من حولها بحمل السلاح، بل و أحسن أنواع الأسلحة حتى النووية إن أمكن فإسرائيل تمتلكها و من حق المتخاصمين أن يسعيا لتوازن الرعب بينهما .
نعود لنتحدث عن المرجعية في البلدان الأخرى ، ففي العراق هناك مرجعيتان: الشيعة ملتزمون بالمرجعية ( و ليس ولاية الفقيه ) و مرجعيتهم السيد علي السيستاني ، و السنة ملتزمون بمرجعيتهم المتمثلة في ( تجمع علماء المسلمين ) ، و ليس في ذلك ضير بشرط عدم استهدافهم لبعضهم ،و بالتنسيق بينهم و لكن الواقع للأسف غير ذلك، أما في البحرين فقد جرت العادة منذ القدم شيعياً على أن يتبعوا العلماء البارزين المشهورين بالعلم و التقوى و خدمة العامة و كل عالم له مجال نفوذ يزيد أو يقل أو يشترك به مع غيره ، و قد يزيد نفوذ عالم على الآخرين لاعتبارات معينة ، و قد تمت في السنوات الأخيرة مأسسة هذا التوجه عبر إنشاء المجلس العلمائي الذي يضم مجموعة من العلماء يتصدون بشكل منظم للشأن العام دون التفصيلات ، فقط في الأمور المفصلية، و كثيراً ما تطرح إعلامياً بشأنه إشكالات: أليس هو جهة مستقلة غير منضوية لسياسات البلد؟ أليس يمثل إلغاءً لعقول الأفراد يتحكم فيهم رأس المجلس؟ أليس هذا يمثل إلغاءً للجهات العلمائية الأخرى غير المنضوية تحته ، و إلغاء لحرية رأي الآخرين؟ أليس هذا تكريس للطائفية؟ أليس فيه تدخل إيراني سافر؟
هذه الإشكالات تطرح باستمرار و الرد عليها لا يحتاج إلى إعمال فكر أما عن كونه تكريس للطائفية فذلك كما ذكرنا لا ضير منه إلا إذا كانت برامجه موجهة ضد الطائفة الثانية أما إذا كانت فقط بغرض تنظيم الأمور ضمن الأهداف العامة للأمة و فيها تنسيق أيضاً مع الطائفة الثانية فذلك جيد إلا إذا ثبت خلاف ذلك ، و هناك إرهاصات لقيام كيان مشابه للطائفة السنية لا ضير أيضاً منه فهو أمر جيد بحد ذاته في تنظيمه لشؤون الطائفة المعنية في علاقتها مع السلطة من جهة، و مع الطائفة الأخرى من جهة ثانية و كما أعلن المحامي عبدالله هاشم الداعي للفكرة عن نفس المضمون حيث قال بأنهم إذا زارهم مسؤول حكومي فإنهم بحاجة لمن يتحدث عنهم و يضع اليد على الجرح و يتلمس الحاجات هذا من حقهم طبعاً.
الإشكال الآخر عن كون المجلس العلمائي جهة مستقلة فذلك فيه مقدار كبير من الصحة لأن المرجعية الشيعية عاشت طول الزمان مستقلة في أمورها و تعتبر هذا مكسباً تاريخياً لا تتنازل عنه فهي مستقلة في إمامة الجماعة و في الأوقاف و في استلام الأخماس و توزيعها و في الفتوى ، هذه الأمور لا تقبل التنازل عنها مطلقاً لأي سلطة و تتنازل في الأمور الأخرى أما عن كونه يمثل إلغاءً لعقول الأفراد أو للجهات العلمائية الأخرى غير المنضوية تحته فذلك واقعاً تم تجاوزه فقد رأينا في بعض الأمور التي أصبح فيها أكثر من رأي مثل قانون الأحوال الشخصية أن المجلس متمثلاً برموزه جلس و تحاور مع الأفراد و الجهات العلمائية الأخرى حتى تم التوصل لقناعة مشتركة ، أما عن كون المجلس يمثل تدخلاً سافراً لإيران فإن ذلك من أكبر المغالطات لأن المجلس مثله مثل المرجعية في العراق لا ينضويان تحت ولاية الفقيه فهما لا ينتميان لهذه المدرسة و إنما يطبقان المرجعية بمفهومها العام بل و المجلس في البحرين يتبع المرجعية في العراق على اعتبار أن المرجعية عندهم المتمثلة في السيد علي السيستاني هي الأعلم حسب المشهور حوزوياً ، و لذلك عندما أراد المجلس الحصول على التزكية الشرعية لقانون الأحوال الشخصية طلب عرضه على السيستاني و بمناسبة هذا الموضوع فإن الجمود فيه لن يحركه إلا حدوث حراك من داخل الحكومة من طرف و من داخل المجلس من طرف ثانٍ ثم مد جسور بين الطرفين لإزالة العوائق من كلا الطرفين ليخرج القانون بعد ذلك كوليد شرعي بينهما.
و عوداً على بدء نعود فنقول بأن المرجعية سواءً كانت شيعية أو سنية فإن من إيجابياتها الكبيرة التنظيم بشرط ترشيدها و تنقية أهدافها مما لا يُرضي الله سبحانه و تعالى و من استهداف بعضنا بعضاً و من إعاقة التقدم و التنمية في الحياة و أن تكون لبنة تتسق مع غيرها من اللبنات لبناء مسيرة الحياة الكريمة.
عفاف الجمري
التعليقات:
السيد هادي-البلاد القديم - البحرين
الأثنين 28 أغسطس 2006
نبارك لكم ميلاد أبطال كربلاء ونبارك لكم هذا القلم الموضوعي النير
علي جسن - البحرين
الأربعاء 23 أغسطس 2006
مقال جيد لمتابعي الفكر الشيعيلكن اليست سياسة ولاية الفقيه دكتاتورية بحتة, و هل اذا اعترضت مصالح الشعب ضد الفقيه يكون الفقيه هو على الحق و اي حق ؟اليس دستور ايران و الصلاحيات التى يملكها الفقيه برد اي قانون يقره البرلمان او حل البرلمان بضرورة وبدون ضرورة هو دكتاتورية بحته؟ ثم اليس فى ولاية الفقيه ظلم و تجني على الاخرين فكيف يسجن فقيه فقيها اخر معارضا مثل اية الله منتظري او الشيرازي. ثم اين الديمقراطية اذا كان فى الاخير الفقيه هو الذي يجوز القرار او يرفضه مع انه قادم البرلمان و بتصويت الشعب. اليس ولاية الفقيه شعارا للاستبداد؟
محسن - البحرين
الثلاثاء 22 أغسطس 2006
مقال غير مطول يعطي فكرة شاملة عن تطور موقع المرجعية وفكرة الولي الفقيه عند الشيعة وهو يشير إلى كل الفترة ما بعد الأئمة إلى تمظهرات دور الفقيه المختلفة في لبنان حزب الله خاصة -من خلال ممارساته السياسية والجمعياتية وحتى العسكرية- مرورا بالمحطة الهامة والمفصلية التي بلغت معها نظرية الولي الفقيه أوج انطباقها وهي الثورة الاسلامية في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية فيهالذا فإن المقارنة التي قامت بها كاتبة المقال بين نظرية الولي الفقيه عند الشيعة ومفهوم الخلافة عند السنة منهجية وهي دعوة إلى السنة من المسلمين إلى القراءة في التجارب السياسية الشيعة المعاصرة نظرا لأهميتها وبعدها الحداثي والعمق النظري والعملي الذي أنتجته تجربة إقامة نموذج معاصر للدولة الإسلامية...
ولد الخباز - البحرين
الثلاثاء 22 أغسطس 2006
السلام عليكممقالك غير علمي وغير منطقي ولا يحتوي على اي اسنادات! انما مجرد اقوال متناقلة من الثيوقراطيين الذين يقطنون وراء البحارفقولك بـ: "فقد دأب فقهاء الشيعة قبله على مدى أربعة عشر قرناً يبتعدون عن فكرة تسلم زمام الحكم، "فلعلمك الخاص لم يكن هناك شيعة اثناعشرية قبل 14 قرن لأنهم لم يولدوا الأئمة البقية بعد !اما بخصوص عدم دأبهم لتسلم مقاليد الحكم فتكفي تجربة العراق !انصحك بملازمة المنزل وعمل مقال عن الطبخ!
Sunday, April 6, 2008
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment