Sunday, April 6, 2008

مجلس أعلى لمحو الطائفية (6/2006

مجلس أعلى لمحو الطائفية (6/2006
ِ
مجلس أعلى لمحو الطائفية
كعادتي وأنا أتجول بين قنوات التلفاز في إحدى الليالي توقفت أولاً عند البرنامج الجميل الناجح بإذن الله (إضاءات) في قناة العربية للأستاذ تركي الدخيل وكان اللقاء مع الدكتور فيصل المسلم أحد أعضاء مجلس الأمة الكويتي عن حادثة سباب وتقاذف بالألفاظ جرت في مجلس الأمة بين نائب شيعي (الشيخ القلاف) وآخر سني فزع له سني آخر، وتقسيم سني وشيعي هذا ليس جزافاً لأن الوضع للأسف أصبح هكذا وإلا لما فزع لأحد الطرفين آخر من مذهبه، وهنا تداعى لذاكرتي ما حدث في مجلس النواب البحريني في العام الماضي ما سمي لاحقاً (بجلسة الفلوجه ) وما يحدث باستمرار حيث تحول المجلس لمشادات على أساس أجندة طائفية متأثرة بمدود خارجية، تحولت بعد هذه القناة لقناة الشبكة العربية ANN وإذا بالزرقاوي (أمير قاعدة الجاهد في بلاد الرافدين) على الشاشة للمرة الأولى يتوعد ويهدد ويدعو أيضاً لإنشاء (مجلس شورى المجاهدين) وهذا المجلس يضم علماء المسلمين للبت في أمور المسلمين، الفكرة جميلة ولكن طبعاً هو لعلماء إحدى الطائفتين؛ لأن الأخرى أصبحت في مفهومه كافرة وليست من المسلمين فهو يقول: (إلى الإدارة الأمريكية وعلى رأسها راية الصليب بوش نقول له ولمن دار في فلكه من اليهود والصليبيين والروافض والمرتدين وغيرهم أنكم لن تنعموا في ديار الإسلام) ويقول (فوالله ليس لهم عندنا إلا السيف البتار وبيننا وبينهم ليال ووقائع يشيب لهولها الولدان) !!!
وفي قناة ثالثة وجدت الحديث عن تفجير لسيارات ملغومة في العراق وماأكثرها وطبعاً موجه من إحدى الطائفتين للأخرى ..
ما أصبح عليه العقل الإسلامي في الوقت الحاضر كارثة .. ....ألا من وقفة عقلائية، مشتركة، من الطائفتين، تحلل الوضع الراهن وتخرج بحلول عقلانية، فإن كان البعث الإسلامي يعني البعث الطائفي فلا خير فيه و هو حتماً بعث لكنه غير إسلامي لأن الله سبحانه قد قال في محكم كتابه الكريم (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) صحيح أننا كمسلمين ورثنا من السابقين تركة ثقيلة جداً بخلافاتها الدموية ولكن هل هذا هو قدرنا أن نبقى للأبد فيها متى ما أردنا إحياء إسلامنا؟ لا يتصورن أحد بأن هذا منطق الضعيف، بل هو منطق العقل، لأنه ليس هناك من طرف ضعيف إطلاقاً فلكل طرف عناصر قوة بأي شكل كانت يستطيع إيذاء الآخر بها بنفس المقدار وهذه معادلة أزلية لا نهاية لها، لو أمعنا العقل لوجدنا أننا في ظل هذه التركة الثقيلة ليس أمامنا إلا إحدى خيارات ثلاث:
1- أن نظل نتقاتل بكل الإمكانيات المتاحة لكل طرف قتالاً أزلياً بغرض أن يقضي أحد الطرفين على الآخر بشكل تام كهدف نهائي ويقيم دولة إسلامية عالمية خالصة من الطرف الآخر كمرحلة أولى وخالية من كل عنصر غير إسلامي كمرحلة تالية. وهذا الخيار إضافة لكونه حتماً لا يرضي الله سبحانه،
فإنه مستحيل عقلا لأنه لو كان ممكنا لتحقق قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، منذ بدء هذه الخلافات لحد الآن ولو تحقق ذلك - وهو مستحيل- فإن الطائفة الباقية ستنقسم حتماً ما دامت بهذه العقلية (عقلية الفرقة الوحيدة الناجية والقطب الأوحد الصحيح) ستنقسم إلى طوائف فالطائفتان الحاليتان هما نفسهما فيهما انقسامات وعندها ستتكرر المعضلة إلى ما لا نهاية... نعود فنقول بأنه ليس هناك طرف ضعيف في المعادلة البتة فلا طرف يستطيع القضاء على الآخر وكل ما يمكن حدوثه هو دماء وآلام و شقاء أبدي عند الطرفين يتوارث من جيل لآخر ودمار وتخلف دائم للأمةعن الركب العالمي.
2- الخيار الثاني: أن يتم جمع العقلاء و العلماء من الطائفتين في مؤتمر إسلامي عالمي كبير و على مدى ليس بالقصير حتى يتم فتح ملف المشكلة التي حدثت من قبل أربعة عشر قرنا من الزمان و مناقشتها بكل تفصيلاتها في جو موضوعي حيادي مرن يجعل الله نصب عينيه حتى يتم الخروج بقناعة مشتركة للطرفين تنهي هذه المشكلة التاريخية للأبد. وهذا الخيار وإن كان هدفاً لكل العقلاء في أي مشكلة مشابهة إلا أنه هدف مرحلي بعيد الأمد يحتاج لمراحل تسبقه من التهدئة وتهيئة الأجواء وتوفير الإمكانيات واختيار الزمان والمكان المناسبين وليس على الطريقة التي عملتها قناة المستقلة.
3-الخيار الثالث: أن نرمي بالمشكلة الطائفية برمتها وراء ظهورنا ونعيش بسلام مع بعضنا ونقنن هذا العيش بقوانين رادعة عن كل ما من شأنه إحياء هذه المشكلة أو استخدامها ونوجد المشتركات بين الطائفتين ونسلط الأضواء عليها ونحييها عبر مؤسسات كما كان مشروع جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده في القرن التاسع عشر المتمثل في (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية) وعبر قوانين وسياسات تنتقل من الشعارات الظاهرية إلى الجوهر بنية صادقة، وهذا لا شك فيه حقن للدماء وتوفير للطاقات لاستثمارها في رفعة الأمة ومواكبتها للركب العالمي، ومن الممكن أن تكون هذه المرحلة مقدمة للمرحلة الثانية التي تناقش أصل المشكلة – كما ذكرنا – ولكن بعد ردح من الزمن ليس بالقليل تسترد فيه الأمة عافيتها وتتربى على المحبة فيما بينها فعالم المحبة أجمل بكثير من عالم الكره، المحبة تبني والكره يهدم، صححي أن الناس مجبولون على التعصب لأمر ما أي أمر كما قال ماسلو في هرم احتياجاته حيث عدد الحاجات الإنسانية الفطرية ورسمها في هرم حسب الأهمية أهمها في القاعدة وهي الحاجات الأساسية من مأكل وملبس يأتي بعدها حاجة الأمن ثم حاجة الانتماء حيث يحتاج الفرد للانتماء لجماعة ذات أهداف و سمات معينة يسخر طاقاته لأجلها وهذا الشعور بالانتماء لشيء يعتبر حاجة فطرية ولكن لماذا لا يكون الانتماء للخير والبناء بدلاً من الشر والهدم الإمام علي (ع) يقول متفهماً هذه الحقيقة مخاطباً العرب الأولين (فإن كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمحامد الخصال) فالعرب كانوا يتجمعون و يسخرون طاقاتهم لحرب بعضهم بعضاً قبل الإسلام لأتفه الأسباب مثل الحرب التي حدثت بين قبيلتي عبس و ذبيان الشهيرة والتي جرت بسبب سباق خيل جرى بين الفرسين داحس والغبراء وكحرب البسوس الشهيرة أيضاً التي نشبت لمدة أربعين عاماً أكلت الأخضر واليابس وسببها كان تافهاً أيضاً وهو قتل ناقة امرأة تسمى البسوس قتل قاتلها وهو كليب فاشتعلت الحرب بين القبيلتين قبيلة الناقة وكليب على الرغم من المصاهرة بين القاتل(جساس) والمقتول كليب المتزوج من أخته جليلة بنت مرة (وهذا عينه ما يحدث حاليا في العراق رغم المصاهرة بين الشيعة والسنة) واستمرت الحرب وتم توارث الضغينة والثأر والنقمة جيلاً بعد جيل حتى تم حل هذه المشكلة – وبالمناسبة- بإيعاز من امرأة عاقلة أبت على عريسها في ليلة الزواج إلا أن يسعى في الصلح قبل أن يراها فتم الجلوس بين كبار القبيلتين ونزع فتيل الأزمة، نحن نرى أمثلة بسيطة لهذا المبدأ حتى في حياتنا الاجتماعية ، فالبديهي مثلاً لأي ضرتين هو أن تتقاتلا جيلاً بعد جيل ، من الضرتين تنتقل الحرب لأبنائهما ثم لأبناء الأبناء ولكن هناك نماذج قليلة رأيناها ضربت دروسا في كيفية قلب الكره إلى محبة بل والتعصب لها وتسخير الطاقات لها ويكون الوضع جميلاً جداً.
في هذا المجال قترح إنشاء مجلس أعلى لمحو الطائفية كما أنشئ مجلس أعلى للمرأة يضم العقلاء المخلصين من الطائفتين ويتم انتخاب أعضائه من الشعب بشكل ديمقراطي شرعي لضمان مقبوليته، ومن مهام هذا المجلس:
1- القضاء على كل ما من شأنه إثارة الطائفية من سلوكيات وسياسات سواء كانت شعبية أم رسمية حيث يتم رصد كل محاولات إثارة الفتنة من خطب ونشر كتب ومقالات في وسائل الإعلام وغيرها وكل السياسات والممارسات الطائفية سواءً كانت في التوظيف أو التعليم أو التجنيس أو الإسكان الخ.
2- نشر التوعية، ثقافة الوحدة الفعلية لا بالشعارات فقط، إن خطوة إقامة مؤتمر للوحدة من قبل الملك كانت مبادرة رائدة ولكنها غير كافية بل تحتاج إلى سياسات تتبعها.
3- النظر في شكاوى واحتياجات كل طائفة بشكل جدّي يغنيها عن تكوين تكتلات ومؤسسات خاصة بها حتى يتم الانتقال لمرحلة تكون فيها الاحتياجات موحدة لا مؤطرة بإطار الطائفية.
4- زرع روح المواطنة الفعلية عن طريق نشر التوعية وتحقيق الحاجات وإزالة كل ما يعيق نمو هذه الروح.
ومن وسائل تحقيق هذه الأهداف:
1- القوانين والعقوبات الرادعة لكل الممارسات الطائفية التي تشمل الجميع بدون استثناء.
2- المكافآت المشجعة لكل إنجاز في اتجاه الوحدة وتنمية كل جهد أو عمل أو مؤسسة يصب عملها في هذا الاتجاه.
ويقوم المجلس بتطبيق سياساته عن طريق القنوات الدستورية من برلمان وبالتنسيق مع الوزارات .
إن أحببنا ديننا فعلاً وأمّتنا و وطننا وأنفسنا وأبناءنا وأردنا تأمين مستقبل أجيالنا القادمة فإننا سننهج النهج الصحيح في التعامل مع هذه المعضلة التاريخية كما فعلت الأمم الأخرى التي أدركت مصلحتها فأوروبا تسعى باستمرار للتقريب قيما بينها ولإزالة كل العوائق حتى حققت الكثير لحد الآن وما زالت في الطريق فلنحكم العقل لنعود كما أرادنا سبحانه أن نكون (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وهو سبحانه ولي الهداية والتوفيق.
عفاف الجمري

No comments: